جاء في الحديث المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وجاء أيضًا أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. وهذا يدعو إلى التمييز بين صور الرموز وبين ما تحمله النفس من حديثها الخاص. وحلم الدعاء بعد الأذان مشهد يجمع بين النداء والتوجه، إذ يسمع الرائي المؤذن ثم يرفع يديه أو لسانه بالدعاء. وهذه الصورة قريبة من القلب لأنها تحمل معنى الرجاء والسكينة معًا. وفيما يلي قراءة رمزية عامة تحتمل أكثر من وجه، وهي ليست خبرًا عن شيء قادم.
الأذان رمز عام للنداء والإعلان والدعوة والانتباه إلى الوقت واجتماع الخلق. والدعاء بعده في الرمزية صورة للاستجابة الهادئة بعد الإصغاء، فالنداء يوقظ الانتباه والدعاء يملأ ما بعده بالرجاء. فكأن الحلم يجمع بين فعلين، فعل الاستقبال وفعل التوجه. وقد يرمز المشهد إلى حاجة داخلية إلى أن يكون لكل نداء أو التزام ما يرافقه من سكينة وطلب. وليس هذا تقريرًا لحال الرائي ولا وصفًا لمستقبله، بل هو معنى عام يتسع.
والدعاء بعد النداء من المعاني المألوفة في وجدان المسلم وفي حياته اليومية، وتتعدد صوره وعباراته عند الناس. وهذا يُذكر هنا لبيان أن اتصال الدعاء بالنداء معروف في الثقافة الإسلامية، دون بيان صيغة محددة أو ما يترتب عليها، فذلك مما يُترك لأهل العلم. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة، الآية 186). وفي هذه الآية ما يذكّر بمعنى القرب والرجاء الذي ترمز إليه صورة الدعاء. ولا تُنزَّل الآية على الحلم المحدد كأنها تفسيره، فهي أصل للمعنى العام وحسب.
تذكر المصادر المتداولة أن الدعاء في الرؤيا يُحمل في الغالب على معنى الحاجة والرجاء، ويختلف تأويله بحسب موضوع الدعاء وحال الداعي. وذكر آخرون من المعبّرين أن اجتماع الأذان مع الدعاء يُقرأ بمعنى الصلة بالخير. ولا يوجد ما يثبت نص هذه العبارات حرفيًا، لذلك تُذكر على سبيل الاستئناس لا الجزم. وقد يختلف المعبّرون في أن المعنى يخص الدين أو الدنيا أو الحال النفسي. والأقرب الاكتفاء بالمعنى الواسع للنداء والتوجه، وترك التخصيص لما يعرفه الرائي من حاله.
إن كان الدعاء في الحلم هادئًا بعد الأذان والصوت خافتًا، فالمشهد أقرب إلى صورة الطمأنينة والتأمل. وإن كان الدعاء ملحًّا مع ارتباك، فقد يرمز إلى شعور بالحاجة إلى مخرج أو إلى فسحة من التفكير. وإذا كان الدعاء مقروءًا من ورقة فقد يعبّر عن حاجة إلى ترتيب الكلمات والأفكار. أما الدعاء الجماعي بعد الأذان فيرمز إلى الاجتماع على رجاء واحد. وكل هذه احتمالات قراءة لا يُجزم بها.
وللرائي أثر في المعنى. فالمنشغل بهموم الحياة قد يعبّر الحلم عنده عن حاجة إلى الاستراحة الداخلية، والمتفرغ قد يعبّر عنده عن رغبة في مزيد من الصفاء. والأم أو الأب قد يرى فيه انعكاسًا لحرصه على أسرته، والشاب قد يرى فيه تطلعًا إلى الاستقرار. ومن مرّ بتجربة صعبة قد يظهر الدعاء في حلمه طلبًا للأمان النفسي. ومن كان مطمئنًا فقد يظهر الدعاء امتدادًا لعادته المألوفة.
وتفاصيل المشهد تضيف إلى الرمز لونًا. فاتجاه الدعاء إلى السماء قد يرمز إلى التطلع، وانخفاض الصوت يرمز إلى الخشوع الهادئ، وارتفاعه قد يرمز إلى شدة الحاجة. ومن كان يدعو لغيره في المنام فقد يعكس ذلك اهتمامًا بمن حوله. وإن كان الرائي يدعو لنفسه فقد يعكس حاجة إلى الدعم الداخلي. وكذلك الوقت والمكان، فالفجر يحمل معنى البدايات، والمساء يحمل معنى الختام والسكون.
أما من الجانب النفسي فالدعاء بعد الأذان في المنام قد يكون انعكاسًا لعادة إيمانية يمارسها الرائي، أو صدى لرغبة في أن يجد وقتًا للهدوء في يومه. والدماغ يعيد في النوم تركيب المشاهد المألوفة في صور رمزية. ومن المفيد أن يسأل الرائي نفسه هل يحتاج إلى فسحة صغيرة من الصمت والتأمل خلال يومه. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية. وإن استمر القلق أو اضطراب النوم فيحسن الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل.
وقد يتساءل بعضهم عن معنى نسيان الدعاء في الحلم أو عدم القدرة على نطقه. وهذه صورة شائعة في الأحلام عمومًا، إذ يكون الكلام فيها ثقيلًا أو غير مكتمل، وغالبًا ما تعكس تعب اليوم أو كثرة الأفكار. ولا يُحمل ذلك على تقصير ولا على معنى سلبي. فالحلم لا يقيس شيئًا من حال القلب، بل هو لوحة مؤقتة تتأثر بالنوم والمزاج. ويكفي الرائي أن يخرج منها بشعور بالسكينة.
وخلاصة القول إن الدعاء بعد الأذان في الرؤيا يُقرأ رمزيًا على أنه رجاء وتوجه وسكينة بعد نداء، وإن المعنى يختلف باختلاف الرائي والتفاصيل. وهذا كله اجتهاد بشري ظني، لا يُقطع به ولا يُبنى عليه أمر. والغيب لا يعلمه إلا الله. فليحسن الرائي ظنه بربه، وليسأل الله له العافية والتوفيق. ومن رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره.
