قد يرى الإنسان في منامه أن الأذان قائم أو أن المؤذن يهمّ بالنداء وكأنه ينتظره حتى يصل أو يستعد، فيستيقظ وفي نفسه شعور بأن شيئًا ما كان يترقب حضوره. وهذه الصورة تُقرأ قراءة رمزية عامة، فليس فيها رسالة غيبية ولا دلالة على أمر قادم ولا إخبار بشيء. والأقرب أنها تعبّر عن حال داخلية يشعر فيها الرائي بأن هناك أمرًا يهمه ينتظر منه التفاتة. ويعرض هذا المقال احتمالات للتأمل فقط، ويترك الجزم لله وحده.
الأذان نداء يعلن وقتًا وينتظر استجابة، وفكرة الانتظار فيه مرتبطة بمعنى الدعوة المفتوحة التي لا تُقفل بسرعة. وحين يظهر في الحلم على هيئة نداء ينتظر صاحب الحلم فقد يُقرأ ذلك رمزيًا على أنه صورة لأمر مؤجّل يحتاج إلى فسحة من الوقت، أو لرغبة في أن يجد الرائي من ينتظره بصبر ورفق. وقد يعبّر كذلك عن شعور بالأمان لأن ما يحبه حاضر حتى لو تأخر. ويتفاوت المعنى بحسب شعور الرائي، أهو ارتياح أم تعجل. ولا يُجزم بدلالة واحدة.
وفي الحديث المتفق عليه قال النبي ﷺ: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». وفي هذا ما يذكّر بمكانة النداء في الوجدان، وبأن سماعه يستدعي حضور القلب لا عجلة الجسد. وورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فليس كل ما يظهر في المنام رسالة مقصودة. وهذا الاستشهاد لا يُراد به تفسير الحلم ولا تقديمه رسالة، وإنما هو استحضار لمعنى النداء ولحدود فهم الأحلام.
ويذكر بعض المعبّرين في بعض كتب التعبير أن الأذان يُحمل على الدعوة إلى أمر مهم أو الإعلام به، وذهب آخرون من المعبّرين إلى معنى قريب يدور حول التذكير. وتتفاوت الروايات في ثبوت ذلك، ويتباين المعبّرون في تفصيله، ولا يوجد فيه ما يخص الأذان الذي ينتظر صاحبه. فيبقى ما يُذكر هنا اجتهادًا عامًا لا يُلزم أحدًا، والمرجع فيه إلى معرفة الرائي بحاله وأيامه.
ويتأثر المعنى بالسياق، فإن كان الرائي في طريقه إلى المكان والأذان ينتظره بهدوء فقد يُقرأ ذلك على أنه رغبة في التروي وعدم الاستعجال. وإن كان متأخرًا عن موعد والأذان ينتظر فقد يعبّر عن حرص على ما يهمه وعن أمل في ألا يفوت. وإن كان الأذان ينتظر في مكان مألوف فالقراءة تميل إلى الألفة. وإن كان في مكان غريب فقد يرتبط بأمر جديد يحتاج إلى استعداد. وكل ذلك احتمال رمزي لا يُقطع به.
ويحسن الالتفات إلى أن شعور الإنسان بأن أمرًا ما ينتظره شعور شائع، قد يكون سببه موعد قريب أو مسؤولية مؤجلة أو مجرد رغبة في الإنجاز. فالحلم هنا يلتقط هذا الشعور العام ويلبسه صورة مألوفة هي الأذان. وليس في الصورة ما يدل على أن النداء موجّه إلى الرائي وحده، ولا ما يُخبر عن شيء مقبل. وإنما هي صورة نفسية بسيطة تعبّر عما في الداخل.
ومن التفاصيل التي يُلتفت إليها: كيف كان المؤذن، وهل كان ينتظر بابتسامة أم بصمت، وهل كان الرائي يستعد أم يتردد. فالانتظار الهادئ يميل إلى معنى الطمأنينة، والانتظار المتعجل قد يتصل بضغط الوقت. وقد يكون الحلم أثرًا لأذان سمعه الرائي قبل نومه أو لموعد ينتظره في اليوم التالي. ولا يُعطى لكل تفصيل معنى ثابت، فالشعور العام بعد الاستيقاظ هو المرجع الأقرب.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يفيد من يرى هذا الحلم أن يراجع ما يشعر أنه مؤجّل من أموره، فيقسمه إلى خطوات صغيرة هادئة، وأن يمنح نفسه إذنًا بالتروي. وقد يفيده أن يخصص وقتًا ثابتًا للراحة بين مهامه. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإن استمر القلق أو الإحساس بالضغط وأثر في الحياة اليومية فالأنسب التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين. والإنسان لا يُطالب بما فوق طاقته.
وقد ورد بمعنى الحديث المتفق عليه أن من رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره. وفي هذا الأدب ما يخفف الانشغال بالأحلام ويحفظ القلب هادئًا. فلا يجعل الرائي من الأذان المنتظِر موضع ترقب أو تأويل طويل، بل يتركه صورة لطيفة تحمل معنى الأنس والتروي. ويكفيه أن يمضي إلى يومه بثقة بالله.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالتوفيق والسكينة وصلاح الحال. وأن يأخذ من الحلم معنى الأنس والتروي دون ثقل. والله أعلم بالصواب، وهو الرحيم السميع.
