يحدث أن يرى المرء في منامه تفاحة أو سلة تفاح وقد اجتمع عليها نمل صغير يسير في صفوف منتظمة. وهذه الصورة مألوفة في الواقع، فكلنا رأينا النمل يتبع رائحة الحلوى والفاكهة، ولذلك تتسلل بسهولة إلى الأحلام. وعلينا أن نذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه لا يُخبر عن حدث بعينه. وكل ما يُقال هنا قراءات هادئة يتداولها المعبّرون، يأخذ منها الإنسان ما يطمئن إليه ويدع الباقي.
والتفاح في الرؤى يرتبط عند كثير من المفسرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، وحلاوته توحي بخير يستحق أن يُسعى إليه. أما النمل فقد اشتهر في أحاديث الناس بالنشاط والتعاون وادخار القوت، فاجتماع الاثنين قد يوحي بصورة سعي جماعي نحو رزق مرغوب. وليس في هذه الصورة تهديد بالضرورة، فالنمل مخلوق صغير مسالم في أغلب أحواله. ولذلك يُقرأ المشهد غالبًا على أنه تعبير عن جهد يبذله الرائي أو من حوله حول مصدر رزق أو مشروع.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الحيوانات الصغيرة أن النمل يُشير أحيانًا إلى جماعة من الناس ضعفاء الحال كثيرو الحركة، وذهب بعض المفسرين إلى أنه رمز للسعي والعمال. أما النابلسي فقد نُقل عنه ما يقارب ذلك في سياق الرزق والكسب. ولكن لم يأتِ في كتب التعبير المعروفة، بحسب ما نعلم، كلام خاص عن النمل على التفاح بعينه، فما يُقال هنا استنباط من الأصول العامة. وقد اختلف المفسرون في هذه الأصول، فلا ينبغي أن يُتخذ شيء منها حكمًا ثابتًا.
ويتبدل المعنى بتبدل التفاصيل، فنمل قليل يمشي على التفاحة بهدوء قد يُقرأ على أنه نصيب صغير مشترك مع آخرين، ونمل كثير يغطي الثمرة قد يُقرأ على أنه انشغال كبير أو مزاحمة على أمر. وإذا كان الرائي ينفضه بسهولة فقد يرمز إلى قدرته على ضبط ما يزاحمه، وإن كان يتركه يأكل بسلام فقد يرمز إلى سخاء وقبول بالمشاركة. وحال التفاحة أيضًا مهم، فالتفاحة اليانعة غير الفاسدة مع النمل ليست كالمتعفنة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه إشارة إلى أصدقاء أو زميلات يتشاركن معها فرصة أو مناسبة، أو على أنه انشغال بتفاصيل كثيرة صغيرة في دراستها أو عملها. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى تعاون الأسرة في شأن البيت، أو إلى مهام صغيرة متراكمة تحتاج إلى ترتيب. وللرجل قد يدل على فريق عمل ينشغل حول مشروع واحد، وللتاجر على كثرة زبائن صغار يتوافدون على بضاعته. والحامل قد تجد في مثل هذا الحلم أثرًا لحساسيتها تجاه الحشرات في هذه الفترة، فلا تفرط في التأويل.
ومن الدقائق التي يُنظر إليها اتجاه النمل، هل يصعد إلى التفاحة أم ينزل منها حاملًا قطعًا صغيرة؟ فإن كان يحمل القطع بعيدًا فقد يُقرأ على أنه ما يُقتطع من الرزق في سبيل أمور جانبية، وإن كان يتجه إليها فقط فهو سعي نحو المصدر. كذلك لون النمل، فالنمل الأسود الصغير مألوف، وغيره من الألوان قد يغيّر الصورة قليلًا في أذهان بعض المفسرين. وكل ذلك احتمالات تقبل الأخذ والرد.
ومن الجانب العملي والنفسي، فالنمل مثل معروف في المثابرة والتنظيم، والحلم قد يذكّرنا بأن الرزق يُنال بالصبر والعمل المنتظم لا بالعجلة. كما أنه يدعونا إلى التفكير في من يعمل معنا، وهل نقدّر جهودهم. ومن الجميل أن نتأمل في العناية بما نملك، فكما يحمي البستاني ثماره من الآفات بلطف، فنحن نحمي أرزاقنا بحسن التدبير. ويمكن أن نخرج من الحلم بعزيمة هادئة وامتنان لمن يشاركوننا الطريق.
وقد يكون سبب الحلم بكل بساطة مشهدًا رآه الرائي في يومه، كنمل في المطبخ أو على قطعة حلوى. ولهذا فمن الحكمة ألا يبالغ المرء في ربط كل صورة بمعنى كبير. وأن يترك للقلب مساحة من الطمأنينة، فالنمل في الأحلام والتفاح في الأحلام كلاهما رمزان لطيفان في الأغلب، ولا يدعوان إلى الخوف.
ومما يُلاحظ في هذا الباب أن النمل في الأحلام قد يظهر مع تعب النهار، حين يشعر الإنسان بأنه يحمل أحمالًا صغيرة كثيرة لا تنتهي. وفي هذه الحال يكون الحلم أقرب إلى مرآة لشعور الرائي بكثرة المهام، وليس نبوءة بشيء. وربما كان في الصورة رسالة ضمنية بأن الأعمال الصغيرة المنتظمة تبني في النهاية ما لا تبنيه الاندفاعات الكبيرة، وهو معنى مريح لمن يمر بمرحلة طويلة من الجهد.
ويحسن أيضًا أن يُنظر إلى الحلم نظرة إيجابية هادئة، فالنمل يُضرب به المثل في التعاون، ومن تعاون مع غيره في أمر طيب فقد يجد فيه خيرًا وبركة. وإن كان الرائي يعمل وحده فقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى أن يطلب العون ويشارك الآخرين، فلا يحمل كل شيء بمفرده. وهذه معانٍ إنسانية عامة تناسب كل أحد، وليست أخبارًا عن غيب.
وفي الختام، فإن هذه القراءات اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن تكون أساسًا لقرار حقيقي في شأن من شؤون المال أو العمل أو الأسرة. وخير ما يفعله من رأى حلمًا أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به، فالغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه. نسأله أن يبارك في السعي، وأن يرزقنا القناعة والرضا.
