قد يرى الإنسان في منامه تفاحة صغيرة تكفي جماعة كبيرة، أو سلة لا تنقص مهما أُخذ منها، أو يسمع كلمة تتصل بالبركة وهو يقدّم التفاح لمن حوله. وهذه صورة طيبة تُشعر الرائي بالطمأنينة، وتجعله يتساءل عن معناها حين يستيقظ. والتفسير رمزي لا حرفي، ولا يخبر عن حدث بعينه ولا يعد بشيء. وما نذكره من معانٍ قراءات يتداولها المعبّرون، تُعرض للتأمل الهادئ ولا يُقطع بها.
والتفاح في الرؤى يرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، والبركة في أذهان الناس هي الزيادة الخفية في الخير وأثره، بحيث يكفي القليل ويدوم النفع. فاجتماعهما قد يُقرأ على أنه رزق صغير يؤدي حاجة كبيرة، أو جهد يسير يأتي بثمرة وفيرة، أو بيت يعمّه الرضا فيستغني بما عنده. وقد يُقرأ كذلك على أنه حسن تدبير يجعل القليل يتسع، وكلها معانٍ لطيفة تميل إلى التفاؤل المعتدل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض أبواب الطعام أن كثرة الطعام من قليل قد تدل على سعة أو منفعة تتجاوز المتوقع، وذهب بعض المفسرين إلى أن اجتماع الناس على طعام قليل يكفيهم قد يدل على ألفة وخير. وذُكر عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقرب من هذا في باب الأطعمة. وهذه اجتهادات اختلف فيها المفسرون، ولا نعرف نصًّا خاصًّا بالتفاح والبركة، فما نذكره استنباط من أصول عامة، ولا يصح أن يُعدّ حكمًا ثابتًا.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل المشهد، فإن كانت التفاحة الواحدة تُقسَّم بين الجميع وتكفيهم فالقراءة أقرب إلى معنى القناعة والاكتفاء، وإن كانت السلة لا تنفد فقد تُقرأ على أنها وفرة مستمرة. وهل كان الناس راضين فرحين؟ فالرضا يقوّي المعنى الحسن. وهل كان الرائي هو من يقسّم أم يتلقى؟ فالتقسيم قد يوحي بكرم، والتلقي بعون. وهل كان الطعم جيدًا؟ فطيب الطعم يوحي بسلامة الخير وصفائه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه شعور بالرضا بما بين يديها من علم وصحبة وبيت، وهو شعور نافع في أي مرحلة. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى حسن تدبير بيتها وكفاية ما عندها لأسرتها بفضل حسن إدارتها. وللرجل قد يدل على قناعة في كسبه وعدم الانشغال بالمقارنة، وللتاجر على أن الربح الحلال القليل المبارك خير من كثير مشوب بالقلق. وللحامل قد يعبّر الحلم عن اطمئنان لطيف بأن ما عندها يكفيها، وهو معنى جميل على سبيل التأمل.
ومن الدقائق أن ننظر هل ظهرت أيدٍ كثيرة تمتد إلى التفاحة أم ثمة من يقدّم لها، وهل بقي منها شيء بعد أن أكل الجميع. فبقاء بقية قد يُقرأ على أنه زيادة خير، ونفادها بلطف قد يُقرأ على أنه كفاية. وهل ظهرت ابتسامات؟ فالابتسامات تزيد معنى الألفة. وهل كان المكان بيتًا أم مجلسًا؟ فالبيت يوحي بالأسرة، والمجلس بالأصحاب. وكلها قراءات احتمالية.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يكون هذا الحلم تذكيرًا بأن السعادة لا تتناسب دائمًا مع الكثرة، وأن القناعة راحة للنفس يعرفها كل من جرّبها. وهو دعوة إلى أن نتأمل ما عندنا ونرى فيه الخير، وأن نتعلم من الأمثال التي تدعو إلى الرضا. ويمكن أن نخرج منه بعادة بسيطة هي أن نشكر قبل كل طعام وبعده، وأن نتجنب الإسراف. فالعناية بالقليل تجعله يكفي، وتعلّمنا أن الوفرة الحقيقية في الرضا.
ومن اللطائف أن الكرم يزيد النعمة في المعنى الإنساني، فمن أهدى تفاحة لجاره أو صديقه ربح مودة أكبر من قيمة الثمرة. وهذه المعاني الاجتماعية قد تكون أصدق ما نأخذه من الحلم، فلا نحتاج إلى مفسر لنطبقها. ومن جرّب أن يقاسم غيره طعامه يعرف أن المائدة تتسع بقدر ما تتسع القلوب.
وقد يأتي الحلم بعد وليمة بسيطة اجتمع عليها الأحبة أو بعد كلام عن القناعة. ولا ينبغي أن نحمّله فوق ما يحتمل، فهو في أحسن أحواله صورة جميلة تذكّرنا بما نعرفه من قيم طيبة.
ومما يلفت النظر أن كلمة البركة في الاستعمال الشائع تدل على شعور أكثر مما تدل على مقدار، فقد يشعر الإنسان بها في وقته أو بيته أو صحته أو علاقاته دون أن يستطيع قياسها. ولذلك فالحلم قد يعبّر عن شعور داخلي بالكفاية أكثر مما يعبّر عن أمر خارجي. وهو دعوة لطيفة إلى أن ننتبه لهذا الشعور حين يأتينا، ونحافظ عليه بالشكر والقناعة وحسن الخلق.
وفي الختام، فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو غيرهما. والأولى أن نلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله أن يبارك لنا في قليلنا وكثيرنا وأن يرزقنا القناعة.
