من المشاهد التي قد تمر على النائم أن يرى تفاحة ناضجة وحولها ذباب يطنّ ويحوم، فيحاول إبعاده بيده دون أن يتركها تمامًا. وهذه صورة يعرفها الجميع من أيام الصيف والأسواق المكشوفة، ولذلك فهي كثيرة الورود في الأحلام. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، ولا يُراد به الجزم بحدث بعينه. وإنما هو تأمل في معنى الصورة على ضوء ما تداوله أهل التعبير من أصول عامة.
والتفاح في الرؤى مرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، والذباب في المقابل مرتبط في أذهان الناس بما يكدّر ويزعج. فاجتماعهما قد يُقرأ على أنه خير جميل يحيط به شيء من الإزعاج أو الكلام الذي يُطنّ حوله. ولا يعني ذلك أن الثمرة فسدت، فالتفاحة قد تبقى سليمة وإن حام حولها الذباب. وهذا مما يخفف المعنى ويجعله أقرب إلى التنبيه منه إلى التحذير.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب قد يشير إلى أشخاص مزعجين أو أمور مؤذية يسيرة، وذهب بعض المفسرين بعده إلى أنه يرمز إلى من يتطفل ويلحّ. وفي هذا السياق قد يُفهم أن هناك من يتطفل على خير الرائي أو ينشغل بالكلام عنه. لكن هذه الأقوال اجتهادات، وقد اختلف المفسرون في مدى شدة هذه الدلالة، فبعضهم يراها خفيفة جدًّا. ولذلك فلا يصح أن تُحمل على أحد بعينه، ولا أن تُورث سوء ظن بالناس.
ويتغير المعنى بتغير الأحوال، فذبابة واحدة تمرّ ثم تذهب أخف من سرب كثيف يغطي الثمرة. وإن استطاع الرائي أن يطرد الذباب ويحمي التفاحة فقد يُقرأ ذلك على أنه قدرة على حفظ ما يملك من الإزعاج. وإن استسلم وتخلى عن التفاحة فقد يعني رغبة في الابتعاد عن الجدل. كذلك حال التفاحة، فإن بقيت نظيفة جميلة فالعيب في الخارج لا في الداخل، وإن بدت عليها آثار فقد يكون الأمر أبعد قليلًا.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى كلام الناس حول أمر يخصها، وقد يكون دعوة إلى أن تثبت على ما تراه صوابًا ولا تلتفت إلى الطنين. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى أحاديث جانبية أو تدخلات في شأن بيتها، وقد يكون تذكيرًا بأن تحفظ هدوءها. وللرجل قد يرتبط بمنافسين أو أصوات تعلو حول مشروعه، وللتاجر بمزاحمة أو شائعات في السوق. وللحامل قد يكون الحلم أثرًا لحساسية الروائح والحشرات، فلا يُعطى أكثر من حجمه.
ومن التفاصيل المهمة أن يكون الذباب داخل البيت أو في الهواء الطلق، فداخل البيت قد يُقرأ على أنه يتصل بشأن خاص، وخارجه قد يتصل بالناس عمومًا. وأن تكون التفاحة مغطاة أو مكشوفة، فالمغطاة قد تُقرأ على أن صاحبها يصون ما عنده، والمكشوفة على أنها في متناول من يتحدث. وكل هذه الدقائق لا تحتمل الجزم، وإنما هي مفاتيح تأمل يأخذ منها كل إنسان ما يشبه حاله.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يعكس الحلم انزعاجًا حقيقيًا من ضوضاء الحياة اليومية، كالأخبار والتعليقات والمقارنات. وهو دعوة لطيفة إلى أن نحمي صفاءنا الداخلي، ونعتني بما نقدّره في حياتنا كما نغطي الفاكهة لتبقى نظيفة. كما يذكّرنا بقيمة الصبر على الإزعاج الصغير حين يكون الخير الذي أمامنا يستحق. ويمكن أن نخرج منه بعادة بسيطة هي أن نقلل التعرض لما يشتّت، وأن نركز على ما يغذي النفس.
وقد يكون الحلم ببساطة صدى لحرّ أو لرائحة طعام في الغرفة أثناء النوم، فالحواس تتفاعل مع المحيط حتى والنائم لا يدري. ولذلك من الحكمة ألا يُرتب على الصورة أكثر من تأمل بسيط، وأن نتذكر أن الذباب في المنام لا يصنع واقعًا في اليقظة، وأن الأمور بيد الله وحده.
ومن المفيد أن نفرّق بين الذباب الذي يزعج والذباب الذي يمرّ مرورًا عابرًا، فبعض الصور في الأحلام لا تحمل أي قصد، وإنما هي بقايا مشهد يومي. وإذا استيقظ الرائي ولم يتذكر من الحلم إلا طنينًا خفيفًا فالأرجح أنه لا يحتاج إلى تفسير كبير. أما إذا بقي الحلم في ذاكرته بتفاصيله فقد يكون مدخلًا لسؤال نفسه عمّن أو ما يشغله في هذه الأيام، فيجيب بصدق ثم يمضي.
وكذلك فإن من الحكمة أن نقابل الإزعاج بالهدوء في الواقع، فالذبابة لا تزول بالصراخ وإنما بإغلاق النافذة أو تغطية الطعام. وهذا تشبيه يصلح لكثير من أمور الحياة، فبعض ما يضايقنا يُعالج بخطوة هادئة عملية، لا بكثرة الانشغال والكلام عنه. وهكذا يتحول الحلم إلى فكرة نافعة في السلوك اليومي، دون أن نضيف إليه أي ادعاء بمعرفة الغيب.
وقد يلتفت الرائي كذلك إلى معنى النظافة والترتيب، فالتفاحة التي تُغسل وتُحفظ في مكان نظيف تبقى طيبة. وهذا يذكّرنا بأن الأمور الجميلة في حياتنا، من علاقات وأعمال وبيوت، تحتاج إلى عناية مستمرة حتى لا تعلق بها المنغصات. وهي عناية بسيطة لا تكلف الكثير، لكنها تحفظ الصفاء وتزيد البركة بإذن الله.
وفي الختام، فإن كل هذه المعاني اجتهاد بشري ظني، لا ينبغي أن يُبنى عليها قرار حقيقي ولا أن تُورث شكًّا في أحد. والأحسن أن نلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله، ونعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله أن يصرف عنا ما يكدّر وأن يرزقنا الطمأنينة.
