قد يرى الإنسان في منامه شجرة تفاح وعليها عصافير صغيرة تنقر الثمار وتزقزق بين الأغصان، أو تفاحة على الأرض تقف عليها عصفورة. وهذا مشهد جميل يبعث الابتسامة في النفس، ويذكّر بصباحات الريف والبساتين. وكما هو شأن الرؤى فإن التفسير هنا رمزي لا حرفي، ولا يُقصد به الجزم بحدث. وما نذكره قراءات هادئة لبعض ما تناقله المعبّرون، تُعرض على سبيل التأمل.
والتفاح في الرؤى مرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، والعصافير ترتبط في أذهان الناس بالأنس والخفة والرزق الصغير اليومي. فاجتماعهما قد يوحي بصورة وديعة، رزق طيب يتقاسمه الأحبة في جو مرح. ولا حاجة هنا إلى خوف أو توجس، فالصورة أقرب ما تكون إلى مشهد الطبيعة المسالم. وبهذا تختلف عن مشاهد الحشرات المزعجة، فالطير يحمل في الوجدان معنى اللطف والحرية.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الطيور أن صغار الطير قد تدل على صغار القوم أو الأطفال أو على أخبار خفيفة، وذهب بعض المفسرين إلى أن العصافير تدل على سرور وأنس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من الأنس بالناس. وهذه الأقوال إنما هي قراءات بعض أهل التعبير، وقد اختلفوا في تفاصيلها، فلا يصح أن تؤخذ حكمًا لازمًا. ولا يوجد في كتب التعبير المعروفة نص صريح على العصافير مع التفاح تحديدًا، وإنما يُستنبط من الأصول العامة.
ويتغير المعنى بحسب عدد العصافير وسلوكها، فعصفور واحد يقف على الغصن بهدوء قد يُقرأ على أنه ضيف خفيف أو خبر سار صغير، وسرب كبير يزقزق قد يُقرأ على أنه جمعة أهل وأصدقاء. وإن كانت تنقر الثمار فقد يُفهم أن بعض الرزق يتقاسمه آخرون بلا ضرر. وإن كانت تحمل التفاح في مناقيرها وتطير به فقد يُقرأ على أنه انتقال لخير من مكان إلى آخر. والأهم أن ننظر إلى شعور الرائي، فإن كان سعيدًا فالمعنى أقرب إلى الأنس.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه صورة لأجواء لطيفة مع صديقات، أو مشاعر هادئة تتفتح كما تتفتح الأزهار في الربيع. وللمرأة المتزوجة قد يدل على أنس البيت وأصوات الأطفال والزيارات الأسرية. وللرجل قد يرمز إلى سكينة في عمل أو علاقة طيبة مع زملاء، وللتاجر إلى زبائن خفيفة الظل وعلاقات طيبة. وللحامل قد يكون الحلم تعبيرًا عن توق لطيف إلى الهدوء والطمأنينة، وهو معنى جميل ومريح.
ومن التفاصيل التي يُنظر إليها نوع الشجرة وحالها، فالشجرة المثمرة المورقة تعكس وفرة، والمجردة تعكس انتظارًا. وهل العصافير تغرد أم صامتة؟ فالتغريد يوحي بالسرور، والصمت يوحي بالتأمل. وإن طار العصفور عن التفاحة فجأة فقد يُقرأ على أنه ضيف يمر خفيفًا. وإن رأى الرائي عشًّا على الشجرة فقد يُفسَّر بمعنى الاستقرار والدفء الأسري، وكل ذلك على سبيل التأمل لا الجزم.
ومن الناحية النفسية والعملية، فالحلم دعوة إلى التمتع بالبساطة، والالتفات إلى جمال الأشياء الصغيرة من حولنا، كصوت الطيور وطعم الفاكهة الطازجة. وهو أيضًا تذكير بأن العناية بالأشجار والحدائق، حتى لو كانت أصيصًا صغيرًا على النافذة، تمنح النفس سكينة. وقد نخرج منه برغبة في الخروج إلى الهواء الطلق، أو في مشاركة الطعام مع الأحبة، فالرزق يطيب بالمشاركة. والامتنان للنعم الصغيرة من أنفع ما يمكن أن نأخذه من هذه الرؤى.
وقد يكون مصدر الحلم صوتًا سمعه النائم من النافذة، فكثيرًا ما تتسلل أصوات الصباح إلى المنام وتتخذ صورًا مناسبة. ولهذا فلا ينبغي أن نحمّل الصورة أكثر مما تحتمل، ويكفي أن نشكر الله على لحظة جميلة مرّت علينا ولو في المنام.
ويمكن أن يضيف بعضهم معنى آخر مفاده أن الطيور تُعرف بحرية الحركة والانتقال، فاجتماعها على التفاح قد يعبّر عن رغبة الرائي في شيء من الانطلاق والخفة بعد فترة ثقيلة. وقد يكون الحلم نافذة صغيرة تقول إن الحياة فيها جانب لطيف لا ينبغي أن نغفل عنه وسط الانشغالات. وهذا من باب التأمل النفسي أكثر منه من باب التنبؤ، وهو يناسب كل من يحتاج إلى استراحة وجدانية.
وقد يلاحظ الرائي أن الطيور التي رآها كانت تأكل من الثمار دون أن تفسدها، أو أنها تركت التفاح كما هو وطارت. وفي كلتا الحالتين لا ضرر، وهذا يعكس معنى القبول بأن ما يكون من الرزق يتسع للجميع. فلا حاجة إلى الخوف من المشاركة، ولا إلى التشدد في حفظ كل شيء، فبعض العطاء يُرد بالبركة. وهذا المعنى الأخلاقي البسيط هو أجمل ما يمكن أن يُستخلص من الصورة.
وفي الختام، فإن هذه القراءات اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن تُتخذ أساسًا لأي قرار حقيقي. والأولى أن نلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله سبحانه أن يرزقنا أنسًا وطمأنينة في الدنيا، وأن يبارك لنا في أحبتنا.
