قد يرى الحالم في منامه زهر التفاح، تلك الأزهار الرقيقة البيضاء المائلة إلى الوردي التي تغطي الأغصان في أول الربيع قبل أن تظهر الثمار. وهو مشهد جميل رقيق، يترك في النفس إحساساً بالخفة والتفاؤل وبعض الحنين. وقد يراه الرائي على شجرة واحدة أو في بستان كامل، أو منثوراً على الأرض. وكما في سائر الرؤى فالتأويل رمزي لا حرفي، وما نذكره هنا تأملات ظنية قد تخطئ، لا تهدف إلى الحكم على شيء ولا تدّعي علماً بالغيب.
وفي الرمزية العامة، يُنظر إلى الزهر على أنه مرحلة تسبق الثمر، فهو وعد لا حصاد، وأمل لا نتيجة. وزهر التفاح بخاصة يرتبط بالجمال الرقيق والبدايات اللطيفة وانتظار الخير. ويتصل التفاح بالرزق الطيب والمنفعة والجمال، فيكون زهره صورة لما يسبق ذلك، أي إرهاصات الخير وبشائره قبل أن يتجسد. وقد تعبّر الصورة كذلك عن لحظة جمال عابرة ينبغي الاستمتاع بها، فالزهر سريع الزوال، وفي ذلك تذكير بقيمة الأوقات الجميلة. وهي معانٍ رمزية مرنة لا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الأزهار في المنام قد تدل على سرور قصير الأمد أو على أمور حسنة المظهر، وأن ذلك يتفاوت بحسب طيب رائحتها وجمال هيئتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأزهار قد تدل على ما يُرجى من الخير قبل تمامه، وأنها قد تدل في أحوال أخرى على ما لا يدوم. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم خصّها بالفرح وبعضهم بالزوال، فلا ينبغي أن تُعد هذه الأقوال قاعدة قاطعة. وإنما هي إشارات عامة تُذكر على سبيل الإيناس ويُترك التفصيل لحال كل رائي.
ويتغير المعنى بتغير حال الزهر وسياقه، فزهر متفتح ممتلئ على الغصن يختلف عن زهر ساقط ذابل على الأرض. والرائحة العطرة تضيف معنى الطيب، والمطر الخفيف المصاحب للزهر قد يضيف معنى الرحمة والتجدد. ولمن يراه أثر، فإن كان أمام نافذته فهو قريب من حياته اليومية، وإن كان في بستان بعيد فهو أقرب إلى أمل بعيد. وشعور الحالم هو الأهم، فالانشراح عند رؤية الزهر أقرب إلى المعنى المحمود، والحزن عليه قد يعبّر عن خوف من فوات أمر جميل قبل اكتماله.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ زهر التفاح في منامها على أنه صورة لربيع في حياتها، أي مرحلة تتفتح فيها آمالها وأفكارها، وقد يعبّر عن مشاعر رقيقة تعيشها. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن لحظة جميلة في بيتها أو عن أمل في شأن من شؤون أسرتها ينتظر وقته، أو عن رغبة في استعادة حيوية الأيام الأولى. وقد يكون مجرد صدى لمنظر طبيعي رأته. ولا يُجزم بشيء من ذلك، فكل قارئ أعرف بحاله، والمعاني التي تُقال هنا تقريبية.
وأما الرجل فقد يقرأ بعضهم رؤيته لزهر التفاح على أنها إشارة إلى بداية مشروع واعد أو فكرة جميلة تنتظر من يرعاها لتثمر، مع التنبيه إلى أن الزهر لا يغني عن الثمر ولا بد من العمل. وللتاجر قد تعبّر الصورة عن بشائر موسم جديد أو فرصة قادمة، وتذكّره بأن التوقيت مهم. وللحامل قد تكون صورة لطيفة تعبّر عن اشتياق لمولود وانتظار هادئ، فلا تحمّلها تأويلاً زائداً. وللطالب قد تعبّر عن بداية موسم دراسي واعد. وكلها قراءات تقريبية مرنة.
ومن الدقائق التي تُغني القراءة: هل كان الزهر أبيض صافياً أم مائلاً إلى الوردي، وهل كان كثيفاً أم قليلاً، وهل بدأت الثمار الصغيرة بالظهور بين الزهر أم لا، وهل هبت عليه الرياح فنثرته أم بقي ثابتاً. فالأبيض الصافي قد يوحي بنقاء الأمل، والوردي بالدفء والرقة. والكثيف قد يوحي بوفرة الأمنيات، والقليل بأمل حذر. وظهور ثمار صغيرة قد يوحي بتحول الأمل إلى واقع، وهبوب الريح قد يوحي بعوامل خارجة تؤثر في الأمر. وهذه تمييزات للتأمل فقط.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّرنا الصورة بقيمة الانتظار الجميل والصبر على نضج الأشياء، فالزهر مرحلة ضرورية قبل الثمر، ولا يُقطف الثمر قبل أوانه. وقد تدعونا إلى حماية آمالنا الرقيقة من التسرع واليأس، وإلى الاستمتاع باللحظات الجميلة التي نمر بها دون أن نؤجل سعادتنا إلى يوم الحصاد فقط. كما تدعونا إلى العناية بما يزهر في حياتنا من مواهب وعلاقات. فلنأخذ من الحلم خفة الأمل وعزم الرعاية، وحسن الظن بما نسعى له.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو علاقة. والأحسن أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، ثم يمضي في سعيه المشروع بتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نراه في المنام لا يتجاوز أن يكون صوراً عابرة تعكس خواطرنا، فنأخذ منها ما يبعث الأمل ونمضي بسكينة.
