حلم رؤية الطفل للتفاح من أحلام الصغار الجميلة، فقد يحكي الطفل لأمه أنه رأى تفاحًا كبيرًا، أو أنه كان يلعب في بستان تفاح، أو أن أحدًا أعطاه تفاحة حمراء، أو أنه كان يأكل منها بشهية، وربما رأى شجرة تفاح تتحدث معه في خياله. وأحلام الأطفال بطبيعتها بسيطة وملونة. ونبدأ بالتذكير بأن تأويل الأحلام قراءة رمزية لا تُحمل على الظاهر، وأن مخيلة الطفل تنسج الصور من لعبه وما يراه من حوله. فلنقرأ المشهد بمرح وخفة، ولنعدّ ما يلي تأملات يُستأنس بها فقط.
التفاح عند من تكلموا في رمزه بحذر يشير إلى الرزق الطيب والنفع والجمال وثمرة الجهد، وهو من الفواكه التي يحبها الصغار لحلاوتها ولونها. وفي حق الطفل قد يُقرأ التفاح رمزًا للبراءة والنمو والنشاط والحب، ولما يلقاه من عناية في بيته. وهذه قراءة رمزية عامة لطيفة لا تحمل معنى ثقيلًا، وهي أقرب إلى تعبير عن فرح الطفولة منها إلى أي دلالة بعيدة. وقد لا يكون للحلم أي معنى سوى أن الطفل أكل تفاحة أو رآها في اليوم السابق.
نُسب إلى ابن سيرين أنه كان ينظر إلى ما يراه الصغار في منامهم نظرة تتصل بحال من يرعاهم وبما يحيط بهم من خير، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الثمار الطيبة قد تدل على حسن في الأهل. ولا يُجزم بدقة هذه النسب في كل تفصيل، وقد اختلف المفسرون في أبواب رؤيا الصغار. ونحن نكتفي بأن نقول إن الأحلام عند الأطفال غالبًا ما تعكس عالمهم الصغير، فلا ينبغي أن يُحمّلوا أو يُقلقوا بما يتجاوز طبيعتها.
وللتفاصيل أثر في المعنى. فإن كان الطفل يضحك ويلعب في الحلم، فهو أقرب إلى انشراح وسرور. وإن شعر بخوف، كأن رأى التفاح ضخمًا أو يتكلم بصوت عالٍ، فقد يعكس خيالًا واسعًا وحاجة إلى طمأنة بسيطة. وإن كان التفاح لذيذًا، فهو أقرب إلى استمتاعه بالطعام، وإن كان مرًّا فقد يعكس انزعاجًا عابرًا. وكثيرًا ما تتكرر أحلام الأطفال بحسب ما يرون من برامج وحكايات، ومن ذلك أن يظهر التفاح كجزء من قصة لعبة أو رسم متحرك. وهذا طبيعي ولا ينبغي أن يقلق الأهل.
وإذا كان الطفل يحب التفاح فعلًا، فقد يكون الحلم صدى لرغبته فيه. وإذا كان يمر بمرحلة جديدة كبدء المدرسة، فقد يعكس رغبته في الشعور بالأمان والحلاوة. وإذا كان قد تلقى اهتمامًا مؤخرًا، فقد يكون الحلم امتدادًا لهذا الدفء. وفي كل ذلك فإن الأهم من تفسير الحلم هو الإنصات إلى الطفل بحنان إذا حكاه، وتشجيعه على الحكاية بلا سخرية ولا تهويل. فبذلك يتعلم أن يعبّر عن نفسه، وهذا أنفع له من أي تفسير.
وقد يضيف بعضهم أن رؤية الطفل للتفاح في صحبة إخوته أو أصدقائه توحي بالألفة واللعب الجماعي، وأن رؤيته له وحده توحي بخيال هادئ. وأن رؤيته للتفاح الأحمر تعكس حيوية، وللأخضر فضولًا وبداية. ولكن هذه التفاصيل تُقال للتسلية، ولا يُعتمد عليها. فالأطفال تتغير أحلامهم بسرعة، وما يراه اليوم لن يراه غدًا، وليس لنا أن نبني من أحلامهم تصورات عن مستقبلهم أو أخلاقهم.
ومن الدقائق التي تُنظر: هل كان الحلم مرحًا أم هادئًا؟ هل أعجب الطفل أم ضايقه؟ وهل أخبر به أهله بحماس؟ فالحماس يدل على أن الحلم جميل في نظره. وهل تكرر؟ فالتكرار قد يرتبط بشيء يحبه أو يتحدث عنه. وهذه كلها جزئيات خفيفة لا غير، ولا ينبغي أن يُلقى بها على الطفل ما يثقله. والأفضل أن يُقابل الحلم بابتسامة وسؤال لطيف، وأن يُقدَّم له التفاح الحقيقي إن رغب، كجزء من وجبة صحية.
ومن الجانب النفسي والعملي، يذكّرنا الحلم بأهمية أن يجد الطفل في بيته الأمان والحلاوة بمعناها الواسع، من حنان وكلمة طيبة ولعب واهتمام. وهو دعوة للأهل إلى أن يشجعوا أطفالهم على تناول الفاكهة والغذاء الصحي بأسلوب مرح، وأن يجلسوا معهم ويحكوا لهم. وقد يكون الحلم ببساطة أثر مائدة أو قصة. فلنأخذ منه فرحة بسيطة، وليكن الأهل مصدر طمأنينة للصغير إذا كان الحلم قد أخافه، فيكفي حضن ودعاء بسيط ليعود إلى نومه هادئًا.
ومن الحكمة ألا يُنقل إلى الطفل تفسير يخيفه أو يجعله ينتظر شيئًا، وألا يُعامل الحلم على أنه نبوءة عن مستقبله. فالطفل ينمو بالرعاية والتربية والمحبة، لا بتفاسير الأحلام. وإن كان الحلم مزعجًا فليُهدَّأ بكلمات مطمئنة وبدعاء قبل النوم، وبتخفيف ما يراه من مشاهد مخيفة قبل نومه. وإن كان جميلًا فليُشارَك فرحته به. فالتعامل الهادئ مع أحلام الصغار جزء من بناء ثقتهم بأنفسهم وبمن حولهم.
وخاتمة القول أن التأويل اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي أو لحكم على مستقبل طفل أو أخلاقه. والأولى أن يقابل الأهل الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يحيطوا صغارهم بالرعاية والحنان. فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله، وما كتبناه ليس إلا تأملات هادئة للأنس.
