التفاح من أكثر الفواكه حضورًا في أحلام الناس، فهو ثمرة مألوفة في البيوت والأسواق والحدائق والقصص الشعبية، وله ألوان متعددة وطعم يتراوح بين الحلاوة والحموضة. ولذلك تتنوع صور ظهوره في المنام، من تفاحة في اليد إلى شجرة كاملة إلى مائدة عامرة. وهذا المقال يجمع الخطوط العامة لما يتداوله المفسرون عن رموز التفاح، والتفسير كله رمزي لا حرفي، ولا يخبر عن حدث بعينه ولا يعد بشيء.
والأصل العام عند كثيرين أن التفاح يرتبط بالرزق الطيب والجمال والمنفعة والعافية بمعناها العام، لأنه ثمرة تأتي بعد عناية وصبر، وتُؤكل بسهولة ويُنتفع بها. وحلاوته تُقرأ على أنها سهولة الأمر وحسنه، وحموضته على أنها شيء من المشقة أو الجدّية. أما التفاحة الفاسدة أو التي فيها دود فتُقرأ على أنها خير ينقصه صفاء أو أمر يحتاج إلى مراجعة. وهذه كلها قراءات اجتهادية لا يُجزم بها.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الفواكه أن الثمار الطيبة تدل على نفع ورزق بحسب حالها وموسمها، وذهب بعض المفسرين بعده إلى أن لون الثمرة وطعمها وطراوتها تضيف دلالات متفاوتة. وذُكر عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقرب من ذلك في الثمار. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب اختلافًا واسعًا، ومنهم من قلّل الاعتماد عليها، ولذلك فلا يصح أن يُتخذ شيء منها حكمًا ثابتًا، وإنما هي مفاتيح للتأمل.
وحال التفاحة هو أهم ما يغيّر المعنى، فاللون الأحمر قد يوحي بحيوية ومحبة، والأخضر بأمل ونماء، والأصفر بنضج واكتمال. والطراوة والنضارة تدل على سلامة الأمر، والذبول يدل على حاجة إلى عناية. والكمية كذلك، فتفاحة واحدة قد ترمز إلى خير مركّز أو بركة في القليل، وسلة كاملة إلى وفرة تحتاج إلى حسن تدبير. وكل ذلك يتأثر بشعور الرائي، فالشعور بالفرح غير الشعور بالقلق.
وإذا نظرنا إلى حال الرائي وجدنا أن الفتاة غير المتزوجة قد يعبّر لها التفاح عن أمنيات وفرص ومشاعر لطيفة، وأن المرأة المتزوجة قد يعبّر لها عن شؤون البيت والأسرة وعنايتها بهم. والرجل قد يجد فيه صورة لسعيه ومعاشه وثمرة عمله، والتاجر قد يجد فيه انعكاسًا لانشغاله بالبضاعة والزبائن. وللحامل قد يظهر التفاح تعبيرًا عن اهتمامها بنفسها وبمن تحمل، وكل ذلك على سبيل التأمل لا الجزم.
ومن الصور المتنوعة التي رأينا لها معاني في هذا الباب أن يُؤكل التفاح بشهية، أو يُرفض، أو يُجبر عليه المرء، أو يُفرط فيه. وأن يتحول إلى ذهب أو حجر أو زهرة، أو ينمو سريعًا، أو يتساقط من الأعلى. وأن يظهر معه الدود أو النمل أو العصافير. وأن يكون في حديقة أو سوق أو مطبخ أو مدرسة أو عمل أو سفر أو عيد. وفي كل صورة يتعدل المعنى بحسب المشهد، لكن الخيط العام يبقى واحدًا: التفاح رمز للخير الذي يحتاج إلى حسن استقبال وتمييز وشكر.
ومن الدقائق التي تجمع هذه الصور أن ننظر دائمًا إلى ثلاثة أمور: حال الثمرة، وشعور الرائي، وسياق المشهد. فإذا اجتمعت ثمرة طيبة وشعور مطمئن وسياق هادئ كانت القراءة أقرب إلى التفاؤل المعتدل. وإذا اجتمع عيب ظاهر وقلق وسياق مضطرب فقد تكون القراءة تنبيهًا إلى التروي والعناية. وفي الحالتين لا يتجاوز الأمر أن يكون صورة رمزية تدعو إلى تأمل هادئ، لا إلى خوف ولا إلى جزم.
ومن الجانب النفسي والعملي، يعلّمنا التفاح في الأحلام معاني بسيطة نافعة، منها الصبر على ثمرات الجهد، فالشجرة لا تثمر في يوم، ومنها الامتنان للنعم الصغيرة، ومنها العناية بما نغرسه من علم وخلق وعلاقات، ومنها العادات الصحية الهادئة في الطعام والنوم والراحة. وإذا كان للمرء قلق حقيقي بشأن صحته أو غذائه فالحلم لا يخبره بشيء، وعليه أن يستشير الطبيب. فالأحلام مرآة لطيفة للنفس وليست مرجعًا في الجسد.
ومن اللطائف أن التفاح في الثقافات المختلفة حاضر في القصص والأمثال والصور، فلا عجب أن يحضر في الأحلام بكثرة. وقد يكون ظهوره في المنام ببساطة أثرًا لهذه الألفة الثقافية، لا أكثر. ولذلك فإن أحسن ما يفعله الرائي أن يأخذ الحلم بخفة وابتسامة، ويستخرج منه المعنى الذي يناسب حاله، ثم يمضي في يومه بسكينة.
وفي الختام، فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. والأولى أن نلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله أن يرزقنا طيب الرزق وسكينة القلب وحسن الختام.
