قد يفتح الحالم في منامه باب الثلاجة فيجد فيها تفاحاً، في رف الفاكهة أو في كيس أو في وعاء، بارداً نظيفاً أو منسياً في الزاوية. وهو مشهد بيتي عادي جداً، ولذلك كثيراً ما يكون صدى لما يراه الناس في يومهم. لكن للأحلام لغتها في اختيار الأماكن، ولهذا المكان تحديداً معنى الحفظ والتأجيل والبرودة. وكما في كل رؤيا، فالتأويل رمزي لا حرفي، وما نذكره هنا تأملات ظنية قابلة للخطأ، لا تدّعي علماً بالغيب ولا تحكم على شيء.
وفي الرمزية العامة، تُقرأ الثلاجة على أنها مكان لحفظ ما نريد إبقاءه صالحاً لوقت لاحق، فالتفاح فيها هو خير مدّخر أو أمر مؤجل لم يحن استعماله. ويتصل التفاح بالرزق الطيب والمنفعة والجمال، فيكون وجوده في الثلاجة صورة لرزق محفوظ ينتظر وقته، أو لجهد مدّخر، أو لنية حسنة أُجّلت. وللبرودة معنى آخر، فقد تعبّر عن تجميد أمر أو تأجيله أو تعطّل حركته. ولذلك فالصورة بين الحفظ والتأخير، والمعنى يتبع حال التفاح وشعور الحالم وما يحيط بالمشهد من تفاصيل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن ادخار الطعام في المنام قد يدل على حفظ الرزق والاحتياط للمستقبل، وأن فساد المدّخر قد يدل على تفريط. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأطعمة المحفوظة قد تدل على أموال مدّخرة وأرزاق مؤجلة. وقد اختلف المفسرون في هذه المعاني، فبعضهم رأى في الادخار حسن تدبير وبعضهم رأى فيه حبساً للخير. ولم يتفقوا على قاعدة، فلا ينبغي أن تُعد هذه الأقوال حكماً قاطعاً. وإنما هي آراء تُذكر على سبيل الاستئناس، ويُترك الحكم لحال الرائي وظروفه.
ويتغير المعنى بتغير حال التفاح وحال الثلاجة، فتفاح نضر مرتب في رف نظيف غير تفاح ذابل منسي خلف الأطعمة. وثلاجة عامرة منظمة غير ثلاجة شبه فارغة أو مزدحمة بالفوضى. ولمن الثلاجة أثر، فإن كانت ثلاجة الحالم فهي أقرب إلى ما يدّخره بنفسه، وإن كانت لغيره فهي أقرب إلى مشاهدة شؤون الآخرين. وشعور الحالم هو الأصل، فالاطمئنان عند رؤية التفاح محفوظاً أقرب إلى المعنى المحمود، وأما الانزعاج من نسيانه فقد يعبّر عن تأجيل متراكم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ التفاح في الثلاجة في منامها على أنه صورة رمزية لأمنيات مؤجلة تحفظها لوقتها، أو لخطوات تنتظر لحظة مناسبة. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن تدبيرها لمؤونة بيتها وحسن تخزينها وتنظيمها، أو عن أمر في الأسرة تأجّل الحديث فيه. وقد يكون مجرد صدى لتسوّق أو ترتيب مطبخ. ولا يُجزم بشيء، فكل امرأة أعرف بحالها، والمعاني التي تُذكر هنا تقريبية تحتمل الأخذ والرد، ولا تُبنى عليها أحكام.
وأما الرجل فقد يقرأ بعضهم رؤيته للتفاح في الثلاجة على أنها إشارة إلى مدّخر يحفظه لحين الحاجة أو مشروع مؤجل ينتظر ظرفاً مناسباً، مع التنبيه إلى أن التأجيل الطويل قد يُفسد الأمور. وللتاجر قد تعبّر الصورة عن بضاعة مخزنة تنتظر موسمها، وتذكّره بمراجعة المخزون وتاريخ صلاحيته، وهذا من أصول التجارة. وللحامل قد تعبّر عن اشتهاء وتجهيزات منزلية بسيطة. وللمسافر قد تعبّر عن ترتيبات لما بعد العودة. وكلها قراءات مرنة تقبل الاختلاف.
ومن الدقائق التي تُغني القراءة: هل كان التفاح باقياً على حاله من النضارة أم بدأ يذبل، وهل كان في كيس مغلق أم مكشوفاً، وهل كان الحالم يبحث عنه أم وجده مصادفة، وهل أخذ منه أم أعاده وأغلق الباب. فمن بحث عنه قد يعبّر ذلك عن حاجة إلى ما أجّله، ومن وجده مصادفة قد يعبّر عن خير مدّخر نسيه. ومن أخذه قد يعبّر عن قرار بالانتفاع، ومن أعاده قد يعبّر عن مواصلة التأجيل. وهذه تمييزات للتأمل فقط وليست أحكاماً.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّرنا الصورة بأن الادخار حكمة، لكن المدّخر الذي لا يُستعمل في وقته يفقد قيمته، وبأن التأجيل الطويل قد يحوّل النعمة إلى عبء. وقد تدعونا إلى مراجعة ما أجّلناه من أعمال أو كلمات أو قرارات صالحة، ونقرر أيها آن أوانه. كما تدعونا إلى حسن تدبير ما نملك والشكر عليه. فلنأخذ من الحلم دعوة هادئة إلى مراجعة المؤجل، ولنبدأ بخطوة صغيرة نحو ما كنا نؤجله بنية الخير.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الإصابة والخطأ، ولا يصح أن يكون سنداً لقرار حقيقي في الادخار أو الإنفاق أو أي أمر من شؤون الحياة. والأولى أن يقابل الإنسان ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، ثم يمضي في سعيه بتوكل. فالغيب علمه عند الله تعالى وحده، وما نراه في المنام صور من مشاهد يومنا وخواطرنا، فلنأخذ منها ما يفيد ونطمئن إلى أن التدبير بيد الله.
