قد يرى الإنسان في منامه أنه في مدرسة، في صف أو ساحة، وبين الطلاب تفاح يُوزَّع أو يُؤكل، أو تفاحة على مكتب المعلم أو في حقيبته. وهذه صورة مألوفة، فالمدرسة والتفاح يلتقيان في ذاكرة كثيرين، وفي الثقافة الشعبية تُهدى التفاحة للمعلم رمزًا للتقدير. والتفسير رمزي لا حرفي، ولا يخبر عن حدث بعينه. وما نذكره من معانٍ قراءات يتداولها المعبّرون، تُعرض للتأمل الهادئ.
والتفاح في الرؤى يرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، والمدرسة في أذهان الناس مكان العلم والتربية والصحبة وبناء الشخصية. فاجتماعهما قد يُقرأ على أنه ثمرة علم أو جهد دراسي، أو تقدير يناله الرائي بعد اجتهاد. وقد يُقرأ كذلك على أنه حنين إلى أيام الدراسة وبراءتها، أو انشغال بأمر تعليمي حاضر. وهي في مجملها صورة لطيفة فيها دفء الذكريات وجدّية الطلب معًا.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب العلم والمكاتب أن الدخول إلى مكان التعلم في المنام قد يدل على طلب علم أو أدب، وأن الكتب والأقلام ترمز إلى معارف ونفع. وذهب بعض المفسرين إلى أن الفاكهة في مجلس العلم قد تشير إلى ثمرة ينالها الطالب. وذُكر عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقرب من ذلك في باب الثمار. وهذه اجتهادات اختلف فيها المفسرون، ولا نعرف نصًّا خاصًّا بالتفاح في المدرسة، فما نذكره استنباط من أصول عامة لا حكم لازم.
ويتغير المعنى بحسب ما يجري في المشهد، فإن كان الرائي يقدّم التفاحة لمعلمه فقد يُقرأ ذلك على أنه امتنان وتقدير لمن علّمه، وإن كان يتلقاها فقد يُقرأ على أنه نيل تشجيع. وهل كان المكان مزدحمًا أم هادئًا؟ فالازدحام قد يوحي بتنافس، والهدوء بتركيز. وهل التفاحة سليمة طازجة؟ فالسليمة أقرب إلى ثمرة طيبة، والذابلة قد توحي بحاجة إلى مراجعة المنهج. وهل كان الرائي طالبًا أم معلمًا أم زائرًا؟ فلكل موقع دلالة تختلف.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه تأمل في دراستها وما تنتظره من نتائج أو في صحبة زميلات طيبة. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى اهتمامها بتعليم أبنائها ومتابعة دروسهم، أو إلى رغبة في استكمال دراسة مؤجلة. وللرجل قد يدل على تعلم مهارة جديدة أو دورة تدريبية، وللتاجر على الحاجة إلى تحسين معارفه في مجاله. وللحامل قد يعبّر الحلم عن أمنيات لطيفة لمستقبل مولودها وتعليمه، وهو معنى جميل على سبيل التأمل فقط.
ومن الدقائق أن ننظر هل المدرسة هي مدرسة الرائي القديمة أم مكان غير معروف، فالمألوفة قد تعني استدعاء ذكريات، وغير المعروفة قد تعني مرحلة جديدة. وهل كان في الحلم امتحان أو واجب؟ فهذه عناصر تعكس شعورًا بالمسؤولية أكثر مما تدل على حدث. وهل جلس الرائي على مقعد في الصف أم وقف أمام السبورة؟ فالجلوس قد يوحي بتلقٍّ، والوقوف بعطاء. وكلها احتمالات تأملية فقط.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يعكس الحلم حنينًا إلى زمن الطفولة أو شوقًا إلى التعلم، وقد يكون دعوة إلى أن نستمر في طلب العلم مهما كبرنا. فالتعلم لا عمر له، وثمرته تأتي لمن صبر وواظب. ويمكن أن نخرج من الحلم بخطوة صغيرة كقراءة كتاب أو حضور دورة أو مراجعة معلومة. كما يذكّرنا بقيمة المعلمين الذين مرّوا بحياتنا وأثّروا فيها، فنذكرهم بالخير وندعو لهم.
ومن اللطائف أن التفاحة في كثير من المدارس ترتبط بالوجبة الخفيفة الصحية، فقد يكون الحلم تعبيرًا عن ذكرى بسيطة من الطفولة، حين كان الإنسان يُعطى فاكهة في استراحة الصف. وهذه الذكرى وحدها كافية لتفسير الصورة، فالذاكرة تحتفظ بالمشاهد الدافئة وتعيدها حين تتوافر الظروف. ولا بأس بأن نبتسم لها ونتأمل ما كان فيها من براءة.
ومن الحكمة كذلك أن يذكّر الإنسان نفسه بأن الثمرة العلمية تتطلب غرسًا مبكرًا وصبرًا طويلًا، وأن العناية بالتعلم كالعناية بالشجرة، تحتاج إلى سقي متواصل. وكثيرًا ما يتعثر الطالب أو الراغب في التعلم ثم يستمر، فيجني بعد سنوات ما لم يكن يتوقعه. وهذا معنى مشجع يُستفاد من صورة التفاحة في الصف.
وقد تأتي هذه الأحلام قبل موسم دراسي أو امتحان أو بعد مشاهدة صور من الماضي، فتكون صدى لانشغال النفس. ولا ينبغي أن نحمّلها فوق ما تحتمل، ويكفي أن نأخذ منها دافعًا للاجتهاد وحسن الظن.
وفي الختام، فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الدراسة أو العمل أو غيرهما. والأولى أن نلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله أن ينفعنا بما علّمنا وأن يعلّمنا ما ينفعنا.
