قد يرى الإنسان في منامه أنه في مكتبه أو ورشته أو محله، وعلى المكتب طبق تفاح يتشاركه الزملاء، أو تفاحة وُضعت بجوار حاسوبه، أو سلة تُوزَّع في استراحة العمل. وهذا مشهد مألوف في بيئات كثيرة، ولذلك فهو يتسلل إلى الأحلام بسهولة. والتفسير رمزي لا حرفي، ولا يخبر عن حدث بعينه، فهو صورة من صور الذهن. وما نذكره من معانٍ قراءات يتداولها المعبّرون، تُعرض للتأمل الهادئ ولا يُقطع بها.
والتفاح في الرؤى يرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، ومكان العمل في أذهان الناس موضع الكسب والمسؤولية والعلاقات المهنية. فاجتماعهما قد يُقرأ على أنه ثمرة جهد مهني، أو رزق يأتي عن طريق العمل، أو مودة بين الزملاء. وقد يُقرأ كذلك على أنه حاجة إلى لحظة استراحة صحية في يوم مزدحم. وهذه الصورة ليست مخيفة، وتقترب كثيرًا من مشهد اليقظة، فلا تحتمل مبالغة في التأويل.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الصنائع والأعمال أن مكان العمل في المنام قد يدل على الكسب والمعيشة، وأن حال العمل فيه يدل على حال صاحبه. وذهب بعض المفسرين إلى أن مشاركة الطعام بين الناس قد تدل على ألفة أو معاونة. وذُكر عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يقرب من ذلك في باب الكسب والأطعمة. وهذه اجتهادات اختلف فيها المفسرون في تفاصيلها، ولا نعرف نصًّا خاصًّا بالتفاح في مكان العمل، فما نذكره استنباط من أصول عامة.
ويتغير المعنى بحسب من يقدّم التفاحة ومن يتلقاها، فإن قدّمها زميل بابتسامة فقد يُقرأ على أنه مودة وتعاون، وإن قدّمها مدير فقد يُقرأ على أنه تقدير للجهد. وإن كان الرائي هو من يوزعها فقد يُقرأ على أنه كرم ورغبة في توطيد العلاقات. وهل كانت التفاحة طازجة؟ فالطازجة توحي بنفع، والذابلة قد توحي بأن الجهد يحتاج إلى تجديد. وهل كان المكان هادئًا أم مضطربًا؟ فالهدوء يرجّح معنى السكينة المهنية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه تأمل في بيئة العمل الأولى أو في بداية مسيرة مهنية، وفيه دعوة إلى حسن التعامل مع الزملاء. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى التوازن بين البيت والعمل، وإلى لحظات راحة تحتاجها. وللرجل قد يدل على ثمرة مشروع أو على تقدير ينتظره، وللتاجر على علاقة طيبة مع العاملين والعملاء. وللحامل قد يعبّر عن حاجتها إلى لطف في بيئة العمل ومراعاة، وهو معنى طبيعي لا يتجاوز التأمل.
ومن الدقائق أن ننظر هل مكان العمل هو مكانه الحقيقي أم مكان متخيل، فالحقيقي قد يعكس انشغالات واقعية، والمتخيل قد يعكس رغبات. وهل كان الزملاء معروفين أم غرباء؟ فالمعروفون قد يوحون بعلاقات قائمة، والغرباء بتجديد. وهل كان في المكان اجتماع أو مهمة؟ فالتفاحة وسط الاجتماع قد تُقرأ على أنها لحظة لطف في جدية. وهل أكلها الرائي بهدوء أم على عجل؟ فالهدوء يوحي بتوازن.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يذكّرنا الحلم بأن حياة العمل تحتاج إلى فواصل لطيفة، وأن الاستراحة القصيرة تزيد الإنتاجية. وهو دعوة إلى أن نعتني بصحتنا وطعامنا في أثناء العمل، وأن نتعامل مع زملائنا بمودة، فالكلمة الطيبة تخفف ضغوط اليوم. ويمكن أن نخرج منه بعادة بسيطة كأن نترك لحظة شكر لمن ساعدنا. فالعلاقات الطيبة في العمل ثمرة لا تقل قيمة عن الراتب.
ومن المعاني اللطيفة أن العمل نفسه شجرة تُسقى بالصبر، فبعض الوظائف لا تثمر إلا بعد سنوات من الاجتهاد، ثم تأتي لحظة تقدير تُنسي التعب. وإذا رأى الرائي التفاح في مكان عمله فربما يتأمل في ثمار جهده القادمة بإذن الله، ويستمر بنفس هادئة. وهذا الأمل المعتدل خير من الاستعجال أو اليأس.
وقد يكون الحلم انعكاسًا لكلام مع زميل عن الغداء أو الصحة، أو لصورة رآها في صفحة مكتب. ولذلك فمن الحكمة ألا نبني على الحلم أحكامًا تؤثر في علاقاتنا المهنية أو قراراتنا، فهو أقرب إلى لعبة ذهنية بعد يوم عمل طويل.
ومما يحسن التنبيه إليه أن أحلام العمل تكثر في أوقات الضغط والمواعيد، فيستيقظ الإنسان وكأنه ما زال في مكتبه. وفي هذه الحال لا ينبغي أن نقرأ في الحلم أكثر من أثر الانشغال، فالدماغ يواصل ترتيب مهام النهار وهو نائم. وإذا ظهرت التفاحة وسط هذا الزحام فهي على الأرجح رمز لحاجة النفس إلى شيء لطيف وبسيط. فليأخذ الرائي إجازة قصيرة أو استراحة هادئة إن استطاع، وليشكر الله على نعمة العمل.
وفي الختام، فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الوظيفة أو المال أو العلاقات المهنية. والأولى أن نلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله أن يبارك لنا في أعمالنا وأرزاقنا وأن يرزقنا الإخلاص فيها.
