قد يرى الحالم في منامه عصير التفاح، في كأس شفافة أو في إبريق أو في زجاجة، بلونه الذهبي الفاتح أو العكر الطبيعي، وقد يشربه أو يصبه لغيره أو يعصره بنفسه. وهو مشهد منعش مألوف، يستدعي في الذهن الصفاء والبرودة والارتواء. ومن الطبيعي أن يتساءل صاحبه عن الفرق بين العصير والثمرة نفسها. وكما في سائر الأحلام، فالتأويل رمزي لا حرفي، وما نذكره هنا ظنون وتأملات قابلة للخطأ، لا تدّعي علماً بالغيب ولا تحكم على شيء.
وفي الرمزية العامة، يُنظر إلى العصير على أنه خلاصة الثمرة وقد انفصل عن قشرها وليفها، فهو نتيجة معالجة ومجهود، وفي الوقت نفسه سهل الشرب والانتفاع. ويتصل التفاح بالرزق الطيب والمنفعة والجمال، فيكون عصيره صورة لرزق مصفّى سهل المنال، أو لخلاصة جهد بُذل في العصر والتصفية، أو لخير أُعدّ بحيث يسهل تناوله. وقد تعبّر الصورة كذلك عن الارتواء والراحة بعد عطش وتعب. وللسيولة وجه آخر، فقد تعبّر عن أمر ينساب سريعاً ولا يبقى، والمعنى يتبع حال العصير وشعور الحالم.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الشراب الطيب في المنام قد يدل على رزق صافٍ أو منفعة تُنال بيسر، وأن كدره قد يدل على ما يخالط الأمر من شوائب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المشروبات الحلوة العذبة قد تدل على أحوال حسنة وسرور. وقد اختلف المفسرون في تفصيل ذلك، فبعضهم ربط الشراب بالمال وبعضهم بالعلم وبعضهم بالراحة، ولم يتفقوا على قاعدة. فلا ينبغي أن تُعد هذه الأقوال حكماً قاطعاً، وإنما هي ظنون وأنظار تُذكر للاستئناس، ويُرجع في الفهم إلى حال الرائي.
ويتغير المعنى بتغير حال العصير، فعصير صافٍ رائق بارد حلو غير عصير عكر فاتر متغير الطعم. وعصير يُعصر أمام الحالم من تفاح طازج غير عصير جاهز في علبة. ولكميته أثر، فكأس واحدة غير إبريق كبير يكفي الجميع، ومن يشاركه الشرب يوحي بمودة ومشاركة. وشعور الحالم هو الأصل، فالارتواء والانشراح أقرب إلى المعنى المحمود، والتبرم من الطعم قد يعبّر عن عدم رضا بأمر سُهّل له أكثر مما يرغب أو بخلاف ما يرجو.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ عصير التفاح في منامها على أنه صورة رمزية لراحة بعد تعب أو لخير يصلها بسهولة ويسر، وقد تعبّر عن رغبتها في صفاء وهدوء. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن عنايتها بإعداد شراب لأسرتها أو ضيافتها، أو عن لحظة ارتياح في يوم طويل. وقد يكون صدى لشراب شربته أو رأته في يومها. ولا يُجزم بشيء، فكل امرأة أدرى بحالها، والمعاني التي تُذكر هنا مرنة قابلة للاختلاف بين امرأة وأخرى.
وأما الرجل فقد يقرأ بعضهم رؤيته لعصير التفاح على أنها إشارة إلى رزق سهل أو كسب صافٍ بعد عناء، أو إلى استراحة محارب بعد مرحلة من الجهد. وللتاجر قد تعبّر الصورة عن بضاعة سريعة التصريف أو ربح يأتي بسهولة نسبية، مع التذكير بأن الاعتماد الحقيقي على التخطيط والدراسة. وللحامل قد تعبّر عن اشتهاء مشروب منعش، فلا تُحمَّل أكثر من ذلك. وللمسافر قد تعبّر عن ارتياح في الطريق. وكلها قراءات تقريبية مرنة.
ومن الدقائق التي تُغني القراءة: هل كان العصير مع لُبّ الثمرة أم صافياً تماماً، وهل أُضيف إليه سكر أو ماء أو ثلج، وهل كان في كأس نظيفة أم في وعاء متسخ، وهل بقي الحالم عطشان بعد الشرب أم ارتوى. فالصافي قد يوحي بنقاء الأمر، والذي مع اللب قد يوحي بخير فيه شيء من الأصل. وإضافة الثلج قد توحي بتلطيف الأمور، والسكر الزائد بمبالغة في التيسير. ومن بقي عطشان قد يعبّر ذلك عن أمر لم يكفه. وهذه تمييزات للتأمل فقط وليست أحكاماً.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّرنا الصورة بأن خلاصة الجهد قد تكون ألذ ما نتذوقه، وبأن الراحة بعد التعب لها طعم خاص لا يعرفه من لم يتعب. وقد تدعونا إلى أن نُحسن إعداد ما نقدمه للآخرين من وقت وجهد وطعام، وإلى أن نتوقف أحياناً لنرتوي ونستريح دون شعور بالذنب. كما تدعونا إلى الشكر على النعم السهلة التي نشربها كل يوم. فلنأخذ من الحلم لحظة ارتواء هادئة ودرساً في أهمية الصفاء بعد المجهود.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو السفر. والأولى أن يقابل الإنسان ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، ثم يمضي في سعيه بتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما نراه في المنام صور تتشكل من خواطرنا ومشاهدنا، فنأخذ منها ما ينعش الروح ونعود إلى أعمالنا بسكينة وشكر.
