ربما استيقظ بعض الناس من نوم رأوا فيه تفاحاً قد علاه العفن، بطبقة مائلة إلى الرمادي أو الأخضر الداكن، وبرائحة قديمة مستكرهة. وهذه الصورة أشد من مجرد تفاحة فاسدة، لأنها توحي بطول المكث والإهمال، ولذلك يتوقف عندها الحالم متسائلاً. غير أنه لا ينبغي أن يُفهم منها شؤم ولا نذير، فالأحلام تتأثر بما نراه ونفكر فيه، وقد يكون مصدرها حديثاً عن طعام فاسد أو مشهداً في مطبخ. والتأويل رمزي لا حرفي، وما نقرؤه هنا محاولات ظنية تقبل الخطأ.
وفي الرمزية العامة، يرتبط العفن بمرور الزمن دون عناية، فهو علامة على شيء تُرك طويلاً حتى تغيّر حاله. ولذلك قد يُقرأ التفاح المتعفن على أنه رمز لثمرة جهد أُهملت فلم يُستفد منها في وقتها، أو لأمر مؤجل طال تأجيله حتى فقد صلاحيته، أو لعادة قديمة لم تعد تنفع. ويتصل التفاح بالرزق الطيب والمنفعة، فيكون المتعفن منه صورة لمنفعة ضاعت بسبب التأخير لا بسبب قدر محتوم. وهذا المعنى يحمل في طياته دعوة إلى الانتباه والتدارك أكثر مما يحمل خبراً عن مصير.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الفاسد من الطعام في المنام قد يدل على ما يُكره وعلى حال متغير نحو الأسوأ، وأن ذلك يتفاوت بحسب شدة الفساد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الأطعمة المتغيرة قد تشير إلى أمور مكروهة أو مشوبة. وقد اختلف المفسرون في تفصيل ذلك، فمنهم من اكتفى بالتنبيه ومنهم من وسّع الدلالات، ومنهم من أرجع الأمر إلى ما يعانيه الرائي في يقظته. فهذه الأقوال لا تُتخذ حكماً قاطعاً، وإنما إشارات تُقرأ بتحفظ وبمعرفة أن العلم بالغيب ليس لنا.
ويتغير المعنى بمقدار العفن ومكانه، فإن كان على جزء صغير من التفاحة فقد يوحي بعيب محدود في أمر سليم في أصله، وإن غطى الثمرة كلها فقد يوحي بأمر فات أوانه تماماً. وإن كانت التفاحة المتعفنة مخبأة في زاوية منسية فقد يوحي ذلك بأمر خفي أُهمل بعيداً عن الأنظار، وإن كانت على مائدة ظاهرة فقد يوحي بشيء معروف ينبغي مواجهته. وشعور الحالم مهم، فالتقزز الشديد قد يكون انعكاساً لرغبة في التخلص من أمر ثقيل على قلبه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ التفاح المتعفن في منامها على أنه تنبيه رمزي إلى ما يحتاج إلى ترك أو مراجعة في ما يشغلها من شؤون أو صحبة أو أفكار قديمة. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن زاوية في البيت أو في الروتين اليومي أُهملت وتحتاج إلى تجديد، أو عن مشاعر مكبوتة لم تجد مجالاً للتعبير. وليس في ذلك ما يدعو إلى الخوف، فكل إنسان يمرّ بما يحتاج فيه إلى تنظيف داخلي. وهذه أمور تقريبية تتفاوت من حال إلى حال.
وأما الرجل فقد يقرأ بعضهم رؤيته للتفاح المتعفن على أنها إشارة إلى مشروع متروك أو التزام قديم ينتظر قراراً، أو إلى عادة مالية تحتاج إلى مراجعة. وللتاجر قد تذكّره الصورة بتفقد البضائع المخزنة وتجديد المعروض وتصفية ما لا يُباع، وهو أمر عملي قبل أن يكون رمزياً. وللمريض قد لا يكون لها معنى إلا انعكاس حالته النفسية، فلا يُحمّل رؤيته شيئاً. وللمسافر قد تعبّر عن قلق من أمر تُرك دون ترتيب. وكلها قراءات مرنة.
ومن الدقائق التي تبدّل القراءة: هل كان الحالم هو من أهمل التفاحة أم وجدها هكذا عند غيره، وهل أمكنه التخلص منها بسهولة، وهل بقيت رائحتها بعد أن ألقاها. فمن وجدها عند غيره قد يعبّر ذلك عن أمر خارج عن إرادته، ومن أهملها بنفسه قد يعبّر عن دعوة إلى المراجعة الذاتية. ومن تخلص منها وغسل يديه قد يوحي ذلك بقدرة على طي صفحة ثقيلة. وهذه التفاصيل لا تعدو أن تكون خيوطاً تُعين على التأمل الهادئ.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تكون الصورة تذكيراً لطيفاً بأن ما نؤجله طويلاً يفقد قيمته، وبأن الأمور الصغيرة تحتاج إلى عناية دورية. وقد تدعونا إلى ترتيب مطبخنا وخزائننا كما نرتب أفكارنا، وإلى التخلص من العادات التي لم تعد تفيدنا. كما تدعونا إلى الاعتبار بأن النعم تدوم بالشكر والرعاية. فلنقابل الصورة بنشاط هادئ، ولنبدأ بخطوة صغيرة، فرب خطوة بسيطة تعيد إلى الحياة نضارتها.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. ومن رأى ما يكره فليقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وليعلم أن ما نراه في النوم لا يملك بذاته ضراً ولا نفعاً. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما علينا إلا السعي والتوكل والاستعانة به، ثم نمضي بقلوب مطمئنة لا يعكر صفوها حلم عابر.
