من الأحلام الطريفة أن يجد الإنسان نفسه يأكل تفاحة بعد أخرى دون توقف، حتى يكاد لا يبقى في المكان شيء منها. وقد يستيقظ وهو يبتسم من هذا المشهد، وقد يستيقظ وفي نفسه تساؤل عن دلالته. والتفسير كما هو معلوم رمزي لا حرفي، فالحلم لا يُلزم أحدًا بشيء ولا يتنبأ بحدث معين. وما يذكره المعبّرون إنما هو قراءات واجتهادات تُعرض على سبيل التأمل لا الجزم.
والتفاح في الرؤى يرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والبهجة والمنفعة، ولذلك فإن الإكثار منه قد يُقرأ على أنه صورة للوفرة والانشراح. غير أن الكثرة المفرطة تضيف معنى آخر، وهو الحاجة إلى الاعتدال، فالنعمة تحتاج إلى حسن تدبير حتى تبقى نعمة. وهكذا يتراوح معنى الحلم بين الفرح بالوفرة والتنبيه إلى الاتزان. ويتحدد الميل إلى أحد المعنيين بحال الرائي وشعوره أثناء الحلم وبعده.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الفاكهة الكثيرة قد تدل على مال أو منفعة بقدر ما ينال الرائي منها، وذهب بعض من تكلموا بعده إلى أن الإكثار من الطعام في المنام قد يُشير إلى توسع في شيء ما. أما النابلسي فقد نُقل عنه في بعض المواضع أن سلامة الثمرة وطيبها تدلان على حسن الحصيلة. ومع ذلك فقد اختلف أهل التعبير في الإفراط، فمنهم من رآه بشارة بالسعة، ومنهم من رآه تنبيهًا إلى الإسراف. ولا يمكن الحسم بين القولين، فيبقى الأمر مفتوحًا للتأمل.
ويؤثر السياق كثيرًا في المعنى، فالإفراط الذي يصحبه استمتاع وخفة يختلف عن الإفراط الذي يعقبه ألم أو ثقل. وإن كانت التفاحات طازجة جميلة فالأقرب أن يكون الحلم صورة للنعمة، وإن كانت بعضها ذابلًا أو مرًّا فقد يُفهم أن في الكثرة شيئًا من الشوائب. كذلك الأهم أن ننظر هل كان الرائي يأكل بنهم من الجوع أو من الفضول أو من الملل. ففي كل حال معنى نفسي مختلف.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس هذا الحلم حماسًا كبيرًا لأمر تنتظره، أو رغبة في التذوق من كل خير دفعة واحدة، وقد يذكّرها بالتأني وعدم الاستعجال. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى انشغال بكثرة المهام وتعدد الأمور في البيت، وكأن اللاوعي يقول إنها تأخذ من الأمور أكثر مما تطيق. وللرجل قد يرتبط بتوسع في عمل أو مشروع يحتاج إلى حسن إدارة. وللتاجر قد يرمز إلى وفرة في البضاعة تستلزم عناية حتى لا تفسد، وهو معنى رمزي خفيف.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المهتمون أن يكون الإفراط سرًّا أو علانية، فإن أكل أمام الناس بلا حرج فقد يعني انفتاحًا وسهولة، وإن أكل مختبئًا فقد يرمز إلى رغبة لا يريد الإفصاح عنها. وإن وجد الرائي التفاح لا ينقص مهما أكل فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة للبركة، وإن نفد التفاح بسرعة فقد يُفهم أن الوفرة تحتاج إلى تدبير. وإن ظهرت قشور وبذور كثيرة حول الرائي فقد تدل على أن بعض الجهد لا بد أن يبقى بعد كل ثمرة.
ومن الجانب العملي والنفسي، يمكن أن نقرأ في هذا الحلم دعوة لطيفة إلى الاعتدال في كل ما نحب، من عمل وكلام ومال وانشغال. فالحلاوة التي نحبها قد تفقد طعمها إذا أكثرنا منها بلا انتباه، والتوازن هو ما يحفظ المتعة. ولا بد أن نوضح أن الحلم لا يقول شيئًا عن الصحة أو الوزن أو الشهية، ولا يصح أن يُعدّ دليلًا على حال جسدي، فإن كان لدى أحد قلق حقيقي في هذا الباب فعليه أن يستشير الطبيب المختص. والامتنان لنعمة الطعام من أجمل ما نأخذه من مثل هذه المنامات.
ويمكن كذلك أن يكون الحلم انعكاسًا لكلام أو مشهد رآه الرائي في يومه، كأن يمرّ بسوق مليء بالفاكهة أو يشاهد مقطعًا عن الطعام، ثم يتحول ذلك في المنام إلى صورة مضخمة. فالأحلام تحب التضخيم والمبالغة، ولذلك فمن الحكمة ألا نعطي كل تفصيل دلالة كبيرة. وأفضل ما نفعله أن نأخذ من الحلم معنى بسيطًا نافعًا، ثم نمضي في يومنا بنفس مطمئنة.
وقد يتساءل بعضهم هل للأحلام التي تتكرر فيها صور الأكل المفرط علاقة بشيء معين؟ والجواب أن ما يُعرف عن عمل الدماغ أثناء النوم يوحي بأن الصور المتكررة قد تأتي من اهتمام متواصل، أو من ارتباط الطعام بالمناسبات والذكريات الجميلة. فإذا كان الإنسان قد حضر وليمة أو جلس مع الأهل على مائدة عامرة ثم رأى حلمًا كهذا فلا غرابة. وهذا تفسير بسيط لا ينفي أن ينظر الإنسان في الحلم نظرة رمزية لطيفة.
ومن اللطائف أن بعض من يكتب في هذا الباب ينصح بأن يسأل الرائي نفسه ماذا كان يشعر وهو يأكل، فالشعور أصدق دليل على قصد الحلم. فإن كان فرحًا فالمعنى أقرب إلى الانشراح، وإن كان متضايقًا فالمعنى أقرب إلى طلب التمهل. وهكذا لا يحتاج الإنسان إلى مراجع كثيرة، بل يكفيه أن يصغي إلى نفسه بصدق، ثم يأخذ بما يناسبه من هذه المعاني الرمزية.
وللمرء أن يتذكر أيضًا أن الكرم والمشاركة من أجمل ما يقابل به الوفرة. فلو تصور أنه رأى كثرة التفاح فإن الصورة الجميلة أن يتخيل نفسه يوزعها على من حوله، فتزداد حلاوتها. وهذا معنى إنساني قبل أن يكون معنى تعبيريًا، وهو يذكّرنا بأن النعم تطيب بالمشاركة، وأن القلب يشبع بالعطاء كما يشبع البطن بالطعام.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في شأن من شؤون الحياة. والأحسن أن يستعين المرء بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن بأن علم الغيب لا يكون إلا لله وحده. نسأل الله أن يبارك لنا في أرزاقنا وأن يرزقنا الشكر والاعتدال.
