من الأحلام التي تنشر في النفس الرضا أن يرى المرء نفسه يقطف التفاح، يمد يده إلى الغصن ويلتقط الثمرة ويضعها في سلة أو في جيبه. وفي هذا المشهد حركة وفعل، فالحالم هنا ليس مشاهداً فحسب، بل مشارك في الحصاد. ولذلك يلتفت إليه المفسرون من جهة معنى الجني والسعي. وكما في كل رؤيا، فالتأويل رمزي لا حرفي، وما نذكره هنا قراءات ظنية قابلة للخطأ، لا تدّعي علماً بما هو آتٍ ولا تحكم على شيء.
وفي الرمزية العامة، يُنظر إلى القطف على أنه جني ثمرة عمل سابق، فمن قطف فقد غرس أو رُعي له قبل ذلك. ويتصل التفاح بالرزق الطيب والمنفعة والجمال، فيكون قطفه صورة لتحصيل رزق طيب بالسعي، أو نيل نتيجة لجهد بُذل. وللمعنى وجه آخر، فالقطف يحتاج إلى وقته المناسب، فالمتعجل يقطف الفجّ والمتأني يقطف الناضج، ولذلك قد تحمل الصورة معنى التوقيت. وقد تعبّر أيضاً عن مد اليد إلى ما يشتهيه الإنسان وما يدخل في متناوله، وهي معانٍ رمزية مرنة لا تُحمل أكثر من طاقتها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن جني الثمر في المنام قد يدل على الانتفاع بثمرة عمل أو نيل مراد بحسب طيب الثمرة، وأن قطف ما لم ينضج قد يدل على استعجال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن قطف الفاكهة الطيبة قد يدل على كسب محمود، وأن الاستعصاء في القطف قد يدل على مشقة في الحصول. وقد اختلف المفسرون في هذه المعاني، فبعضهم أطلق وبعضهم قيّد بحال الثمر والقاطف. فلا ينبغي أن نعد هذه الأقوال قاعدة قاطعة، وإنما هي قراءات يُستأنس بها ويُحتاط فيها.
ويتغير المعنى بتغير كيفية القطف وحال الثمر، فمن قطف بسهولة وبيسر قد يُقرأ ذلك على أنه سهولة في نيل مراده، ومن احتاج إلى سلم أو مشقة قد يُقرأ على أنه جهد في الوصول. ومن قطف الناضج الأحمر الحلو غير من قطف الفجّ الصلب. وللمصدر أثره، فالقطف من شجرة في بيته غير القطف من بستان غيره بلا إذن، فالأخير قد يعبّر عن تطلع إلى ما ليس له. وشعور الحالم هو الأهم، فالسرور والرضا أقرب إلى المعنى المحمود، والتردد قد يعبّر عن خوف من الإقدام.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ قطف التفاح في منامها على أنه صورة رمزية لتحصيل نتيجة في دراسة أو عمل أو لاقتراب أمنية بعد انتظار، وقد تعبّر عن إقدام على خطوة طال تفكيرها فيها. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن جني ثمار جهدها في تربية أبنائها وإدارة بيتها، أو عن لحظة امتنان لما تحقق. وقد يكون مجرد صدى لنشاط حقيقي أو رحلة. ولا يُجزم بشيء، فالمعاني مرنة بحسب حال كل رائية وما تمر به من ظروف.
وأما الرجل فقد يقرأ بعضهم رؤيته لقطف التفاح على أنها إشارة إلى حصاد عمل أو مشروع بدأه من قبل وبدأت ثماره تظهر، مع الإشارة إلى أن الحصاد يحتاج إلى حسن إدارة وعدم تفريط. وللتاجر قد تعبّر الصورة عن موسم ربح أو تحصيل مستحقات متأخرة، وهي صورة رمزية لا تعني ضماناً. وللحامل قد تعبّر عن اشتياق ولطف في الحمل، فلا تُحمَّل غير ذلك. وللمزارع قد تعبّر عن اقتراب موسم الحصاد الحقيقي. وكلها قراءات تقريبية مرنة.
ومن الدقائق التي تُغني القراءة: هل كان القطف بيد واحدة أم بالسلة، وهل كانت الثمار تتساقط بمجرد اللمس أم تحتاج إلى جذب، وهل بقي الحالم يقطف بلا توقف أم توقف حين امتلأت سلته، وهل شاركه أحد في القطف. فالثمار التي تتساقط بخفة قد توحي بأن أمراً حان وقته، والمتعسرة قد توحي بأنه لم يحن بعد. ومن توقف عند امتلاء سلته قد يعبّر ذلك عن قناعة واعتدال، ومن شاركه غيره قد يعبّر ذلك عن تعاون في الجني. وهذه التمييزات للتأمل لا للحسم.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّرنا الصورة بأن لكل جهد حصاداً، وبأن ما نزرعه بصدق قد يثمر في وقته، وأن علينا أن نحسن اختيار لحظة القطف فلا نستعجل ولا نتأخر. وقد تدعونا إلى تقدير نتائج جهودنا والشكر عليها، وإلى مشاركة ما نحصده مع من حولنا. كما تذكّرنا بأن العمل المستمر هو طريق الثمر، وأن التوقف المبكر قد يفوّت علينا الحصاد. فلنأخذ من الحلم نشاطاً وبهجة بما يأتي من الجهد.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يكون سبباً لقرار حقيقي في مال أو عمل أو زواج أو سفر. والأولى أن يقابل الإنسان ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، ثم يمضي في سعيه بتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما نراه في النوم صور لا تدفع قدراً ولا تجلب رزقاً بذاتها، فلنأخذ منها ما يحفز على الخير ونتابع أعمالنا بقلب مطمئن.
