قد يرى الإنسان في منامه تفاحة في كفه، ثم يراها تنفتح كأنها برعم وتتحول إلى زهرة جميلة ذات بتلات ناعمة وعطر لطيف. وهذا مشهد رقيق يُدخل السرور على النفس، وقد يبقى أثره بعد الاستيقاظ. ومن المهم أن نذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه لا يخبر عن حدث بعينه. وكل ما نذكره قراءات هادئة يتداولها أهل التعبير، نأخذ منها ما يطمئن القلب ونترك ما سواه.
والتفاح في الرؤى يرتبط عند كثيرين بالرزق الطيب والجمال والمنفعة، وهو ثمرة تأتي بعد الإزهار في الواقع. فإذا رأينا الثمرة تعود إلى حالة الزهرة فقد يُقرأ ذلك على أنه رجوع إلى البدايات، أو تقدير للجمال في ذاته بعد أن كان التركيز على المنفعة. والزهرة في أذهان الناس رمز للرقة والعطر والأمل، فاجتماعها مع الثمرة يجمع بين الجمال العاجل والخير الآجل. وهذه صورة فيها كثير من اللطف والبهجة.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الرياحين والأزهار أنها قد تدل على أمر طيب قصير الأمد أو على ذكر حسن ومحبة بين الناس، وذهب بعض المفسرين إلى أن الزهرة قد تشير إلى سرور سريع الزوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأزهار العطرة تدل على ثناء وذكر طيب. وفي هذه الأقوال اختلاف واضح بين المفسرين، فلا ينبغي الجزم بمعنى واحد. ولا يوجد نص خاص بتحول التفاحة إلى زهرة، فما يُقال هنا مأخوذ من أصول عامة على سبيل الاستئناس.
ويتغير المعنى بحسب نوع الزهرة ولونها وعطرها، فالوردة الحمراء قد توحي بالمودة، والبيضاء بالصفاء، والصفراء بالبهجة والدفء. وإن كانت الزهرة نضرة متفتحة فهي أقرب إلى المعنى الحسن، وإن كانت ذابلة فقد يُفهم أن الجمال عارض. كذلك شعور الرائي، فإن ارتاح لرؤيتها فالمعنى مبهج، وإن أسف على ذهاب التفاحة فقد يعكس حنينًا إلى أمر نافع كان بين يديه. وهل شمّ الزهرة أم قطفها أم تركها؟ فلكل تصرف معنى رمزي مختلف.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ الحلم على أنه تعبير عن مشاعر رقيقة تنمو أو عن حب للحياة وتفتح للنفس، وهي صورة أنثوية لطيفة في الوجدان. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى تجدد المودة في البيت أو إلى اهتمام جديد تجد فيه فرحًا. وللرجل قد يدل على جانب من الحنان في حياته يحتاج إلى مساحة، وللتاجر إلى لمسة جمال تضاف إلى عمله أو متجره. وللحامل قد يكون الحلم تعبيرًا عن الأنس بما تنتظره، وهو معنى جميل لا يتجاوز التأمل.
ومن الدقائق أن ننظر هل التفاحة كانت ثمرة ناضجة قبل أن تتحول أم ما تزال خضراء، فالناضجة التي تعود زهرة قد توحي برجوع إلى البدايات، والخضراء قد توحي بتفتح مبكر. وهل كانت الزهرة تحمل في قلبها ثمرة صغيرة؟ فذلك قد يُقرأ على أن الجمال والمنفعة يسيران معًا. وهل أُهديت الزهرة لأحد؟ فالإهداء قد يوحي بكرم ومودة. وكل هذه احتمالات تأملية فقط.
ومن الناحية النفسية والعملية، يذكّرنا هذا الحلم بأن الجمال ليس ترفًا، وأن النفس تحتاج إلى لحظات رقيقة وسط الانشغالات. وهو دعوة لطيفة إلى أن نعطي لأنفسنا وقتًا للأشياء الجميلة، كالمشي بين الأشجار أو غرس نبتة في البيت. كما أنه يعلّمنا أن كل ثمرة تبدأ بزهرة، وأن الصبر على المراحل الأولى هو ما يؤدي إلى النضج. فمن عرف قيمة البدايات الصغيرة هان عليه الانتظار.
ومن المعاني القريبة أن الأزهار لا تدوم، فكل جميل يحتاج إلى أن نقدّره وقت وجوده. وفي ذلك تذكير لطيف بقيمة اللحظة التي نعيشها، وبأن الامتنان للحاضر خير من التحسر على ما فات. وهذا المعنى لا يحتاج إلى تأويل غيبي، فهو من حكمة الحياة المعروفة، ويستطيع كل أحد أن يتأمله بهدوء ويأخذ منه ما يناسبه.
وقد يكون مصدر الحلم زهرة رآها الرائي في يومه أو عطرًا مرّ به أو منظرًا طبيعيًا، فالأحلام ترسم صورًا جديدة من مشاهد مألوفة. ولذلك فلا حاجة إلى أن نبحث عن معنى عميق وراء كل زهرة، وقد يكفي أن نستمتع بالحلم كما نستمتع بمنظر جميل ونحمد الله على نعمة الجمال.
ومن الناس من يجد في الأزهار في الأحلام معنى خاصًّا مرتبطًا بذكرى شخص عزيز أو مكان أحبه، كحديقة بيت الجدّ أو شرفة قديمة. فإذا تحولت التفاحة إلى زهرة تشبه تلك التي يعرفها فقد يكون الحلم استدعاءً لذكرى دافئة أكثر منه رسالة ذات معنى مستقل. وهذا من أجمل ما تفعله الأحلام، إذ تعيد إلينا شيئًا من الحنين في ثوب لطيف يخفف ثقل النهار.
وإذا أراد الرائي أن يستفيد من الحلم فليسأل نفسه ما الذي في حياته يحتاج إلى مزيد من الرقة واللطف، أهي كلمة طيبة لقريب، أم اهتمام بنفسه، أم بيته، أم نبتة يزرعها. فالجمال الصغير الذي نصنعه بأيدينا يغيّر جو الأيام، ولا يحتاج إلى ثمن كبير. وهي معانٍ إنسانية نافعة، لا تتوقف على صحة تفسير أو خطئه.
وفي الختام، فإن كل هذه القراءات اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليها قرار حقيقي في أمور الحياة. والأولى أن نلجأ إلى الدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأله سبحانه أن يزهر أيامنا بالخير وأن يرزقنا ثمارًا طيبة من جهدنا.
