قد يرى الإنسان في منامه موزاً كثيراً يملأ سلة أو طاولة أو غرفة أو سوقاً كاملاً، وهي صورة وفيرة تثير الدهشة وربما الابتسام. ومثل هذه الأحلام كثيراً ما يسبقها حديث عن الطعام أو زيارة سوق أو مشهد مائدة عامرة. وأول ما يُقال إن ما يأتي تأويل رمزي احتمالي، ولا يعني أن غنى مفاجئاً سيحل.
الكثرة في الثمار الحلوة السهلة تدل في الرمز على اتساع الرزق وكثرة الخير وتعدد الفرص، ولذلك يقرأ المتأخرون كثرة الموز على أنها سعة عيش أو أنعام متتابعة صغيرة تتراكم. وهي في الوقت ذاته تحمل معنى المسؤولية عن الحفظ والتوزيع، لأن الموز سريع النضج سريع الفساد. فالكثرة هنا ليست غنى بلا تبعة، بل نعمة تحتاج إلى حسن تدبير حتى لا تضيع.
ويحسن أن نقول إن كتب التعبير الأولى لم تتحدث عن الموز بتفصيل، فأكثر ما يُقال بُني على أقوال في كثرة الفاكهة عموماً. وقد نُسب إلى ابن سيرين أن كثرة الفواكه في غير موسمها قد تدل على مال أو خير يصل في غير أوانه المعتاد، ونذكر ذلك على سبيل النقل المحتمل. وذهب بعض المفسرين إلى أن كثرة الثمر قد تدل على تعب في الحفظ أو على فتنة بالدنيا إن لم تُشكر، وخالفهم آخرون، وهكذا اختلفت الأنظار فلا يُجزم بشيء.
ويتغير المعنى بتغير الحال، فالموز الكثير الطازج النظيف أقرب إلى بشرى وسعة، والكثير الذي يتساقط ويتلف أقرب إلى تنبيه إلى الإسراف أو سوء الحفظ. وإذا كان الرائي يوزعه على الناس فهو أقرب إلى كرم وإحسان يعود عليه بالبركة، وإذا كان يخزنه ويخشى عليه فهو أقرب إلى قلق على المال. وشعور الغبطة أو الضيق عند رؤية الكثرة يدخل في ميزان التأويل.
وللرجل قد تدل كثرة الموز على اتساع في مصدر الرزق أو تعدد في الأعمال أو سعة في الأسرة، وقد تدل على كثرة المهام. وللتاجر قد تُفهم على أنها بضاعة غزيرة تحتاج إلى سرعة تصريف قبل أن تتلف، وهو معنى عملي أكثر منه غيبي. وكل ذلك مما يُستأنس به ولا يُعتمد عليه في حساب الأرباح والخسائر.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الكثرة على أيام جميلة وفرص متعددة أمامها، فيحسن بها أن تختار بحكمة وتتروى. وللمرأة المتزوجة قد تدل على بيت عامر وضيوف وكرم في المائدة، وللحامل قد تعبر عن شعور بالوفرة والطمأنينة. ويبقى ذلك في دائرة الرجاء الحسن لا الجزم.
ومن التفاصيل التي تؤثر في المعنى أن يكون الموز الكثير مرتباً منظماً في صناديق، فهو أقرب إلى رزق مرتب مدبر، أو أن يكون مبعثراً على الأرض فهو أقرب إلى فرص كثيرة لم تُنظَّم بعد. وإن رأى حشداً من الناس يأخذون منه فهو أقرب إلى معنى المشاركة في الخير، وإن رأى نفسه منفرداً به فهو أقرب إلى انشغال بالمال. وقد يكون لرائحة الموز النفاذة أثر في الإحساس بالسعة أو بالضيق.
وفي الجانب النفسي قد تعبّر الصورة عن شعور بالامتلاء أو عن رغبة في وفرة يفتقدها الرائي في يقظته. وقد تذكّر بأن ما نملكه كثير حين ننظر إليه بعين الشكر، وبأن الإسراف والتبذير يضيعان النعمة مهما كثرت. وفي ذلك دعوة إلى التوازن بين الاستمتاع والاقتصاد، وإلى أن نتصدق مما رزقنا ما استطعنا.
وربما كان الحلم مجرد أثر من مشهد سوق أو مائدة، فلا حاجة إلى تحميله فوق طاقته. ومن شعر بالسرور فليحتفظ بذلك السرور لنفسه ويتجنب المبالغة في التفاؤل أو التباهي بالرؤيا. فالتواضع أقرب إلى السلامة وراحة النفس.
ومما قد يخطر لمن يتأمل كثرة الموز أنه ثمرة سريعة التغير، فالكمية الكبيرة منه لا تبقى على حال واحدة أياماً طويلة، بل تنتقل من الخضرة إلى الصفرة ثم إلى البقع الداكنة. ولذلك قد يُفهم من الحلم أن في حياة الرائي أمراً وفيراً يحتاج إلى استعمال في وقته المناسب، سواء كان وقتاً أو مالاً أو فرصة أو علاقة. وليس في هذا الفهم إلا استئناس لطيف بالصورة، لا قطع بحال ولا بمآل.
وقد يقال أيضاً إن الكثرة تمتحن شكر الإنسان وكرمه، فمن رأى كثرة ثم شاركها غيره فقد جمع بين النعمة والإحسان. وفي هذا المعنى جمال تربوي، إذ يدعو إلى أن نجعل ما يزيد عن حاجتنا سبباً لإدخال السرور على غيرنا. ولا يتوقف ذلك على أن تكون الرؤيا صادقة أو غير صادقة، فالخير خير في ذاته. ويبقى هذا من خواطر التأمل لا من أحكام التعبير.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي كالاقتراض أو الإنفاق أو التوسع في تجارة. والأولى الدعاء وحسن الظن بالله والعمل بالأسباب، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
