قد يرى الإنسان في منامه أن شخصاً يعرفه، كقريب أو صديق أو زميل، يناوله موزة بابتسامة أو دون كلام. وهذا المشهد يحمل دفئاً لأنه مرتبط بوجه مألوف، ولذلك قد يظل أثره في النفس بعد الاستيقاظ. ويجب أن نذكّر من البداية بأن هذه صورة منامية رمزية لا أكثر، وأنها لا تدل على نية ذلك الشخص ولا على موقفه الحقيقي منا. فلا يجوز أن نحكم عليه أو نظن به خيراً أو شراً بسبب ما رأينا في المنام.
العطاء من شخص معروف في الأحلام قد يُقرأ على أنه صدى لعلاقة قائمة بين الرائي وذلك الشخص، أو على أن معنى الخير يتصل بدائرة معارفه. والموز عند المتأخرين رمز للرزق اللين والنعمة البسيطة السهلة. فإذا اجتمعا قُرئ المشهد على أنه تعبير عن مودة أو دعم متوقع أو ذكرى طيبة، وربما كانت صورة لحاجة الرائي إلى التقدير. وهذه قراءة عامة تقريبية لا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
ومن الأمانة أن نبين أن الموز نادر الذكر في أقدم كتب التعبير، ولم يكن في بيئة المفسرين الأوائل بتلك الشهرة التي كانت للتمر والعنب والتين. ولذلك فتأويله متأخر وبالقياس على الفاكهة الحلوة. ونُسب إلى ابن سيرين في باب ما يعطيه المعروف للرائي عموماً أنه قد يدل على صلة ومودة ونفع من جهة ذلك الشخص أو من جهة قريبة منه، ولا يصح أن يُجعل ذلك نصاً في الموز. وذهب بعض المفسرين إلى أن الوجوه المألوفة في الحلم قد تكون رموزاً لمعانٍ لا لأصحابها. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فلا يُجزم.
ويتغير المعنى بالتفاصيل. فإن كانت الموزة ناضجة والشخص مبتسماً، فذلك أقرب إلى معنى مودة وخير هادئ. وإن كان الشخص عابساً أو الموزة غير مستساغة فقد يكون ذلك انعكاساً لشعور داخلي عند الرائي، كشيء من الجفاء أو العتب، وليس دليلاً على ما في نفس الآخر. وإن كان يتذكر خلافاً قريباً مع ذلك الشخص فقد يكون الحلم رغبة في الصلح لا أكثر. وكل ذلك احتمال.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يُحمل المشهد على أن لها في أهلها وصديقاتها من يسندها، وأن في حياتها صلات طيبة. ولا يُستنتج منه شيء عن مشاعر شخص معين تجاهها، فهذا من الظنون التي لا يُبنى عليها. والأسلم أن تتعامل مع الناس بما ظهر منهم في اليقظة.
وإذا كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد يعبّر الحلم عن علاقتها بقريب أو جارة أو صديقة، أو عن حنين إلى صلة قديمة، وقد يدفعها إلى السؤال عنهم. ويرى بعضهم أنه قد يدل على تعاون في أمر قريب. ولا يتجاوز ذلك حدود التفاؤل. ويحسن أن تجعله دافعاً لصلة طيبة لا لظن.
وأما الرجل فقد يفهم منه أن علاقته بذلك الشخص فيها خير أو أنها تحتاج إلى عناية، وقد يكون صدى لحديث دار بينهما. والتاجر قد يرى فيه إشارة إلى صلات عمل قائمة. وليس في ذلك ما يبرر تغيير تعامله معه بسبب منام. فالمعاملة الحسنة أصل ثابت لا يتبدل بالأحلام.
ومن التفاصيل: هل كان الشخص حياً حاضراً في حياة الرائي أم بعيداً؟ فالبعيد قد يدل على شوق وتذكّر، والقريب على علاقة يومية. وهل كان بينهما شيء من الخلاف؟ فالموزة هنا قد تكون صورة لتقريب القلوب. وهل شكره الرائي؟ فالشكر يدل على امتنان في النفس. وهل أكل الموزة أم احتفظ بها؟ فالأكل يدل على الانتفاع بالمودة.
ومن المهم ألا يُجعل هذا الحلم سبباً لتصرف مع الشخص المعروف، كأن يتوقع منه هدية أو يظن به نية معينة. فالأحلام لا تكشف النيات، ومن أخطأ في ذلك قد يجرح علاقة طيبة بلا مسوّغ. والأولى أن يسأل الرائي عن حال ذلك الشخص بلطف إن شعر بحنين، وأن يترك الباقي لله. وبذلك يخرج من الحلم بخير ظاهر دون ظن.
وإن كان الحلم بسيطاً غير مؤثر، فلا حاجة لتأويله أصلاً، فقد يكون الرائي رأى ذلك الشخص في يومه أو تذكره، فعاد في المنام بصورة ما. وهذا من طبيعة الأحلام. ومن قنع بهذا التفسير البسيط ارتاح باله وأمن من الوسوسة.
ومن الناحية النفسية والعملية، يذكّر الحلم بأن العلاقات الطيبة نعمة تستحق الرعاية، وأن الكلمة الطيبة والهدية الصغيرة والسؤال عن الأحوال أبواب تعمّر القلوب. ومن اعتاد الوصل بقدر استطاعته قلّت وحشته وزادت بركته. فلنجعل من الحلم تذكيراً بحسن الصحبة والامتنان.
وإن لم يكن للحلم أثر في نفس الرائي بعد استيقاظه، فلا داعي لتأويله أبداً، فالأحلام التي تُنسى بسرعة غالباً ما تكون من بقايا النهار. والاكتفاء بالحمد والانصراف إلى شؤون اليوم أسلم للقلب من تتبع كل صورة.
وخاتمة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يُبنى عليه قرار حقيقي ولا حكم على أحد من الناس. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ ربه وليحسن به الظن. وعلم الغيب عند الله وحده، وما نحن إلا مجتهدون محدودو العلم.
