قد يرى الإنسان في منامه أن شخصاً لا يعرفه قد أعطاه موزة، فيتلقاها بدهشة أو بابتسامة أو بشيء من الحيرة. وهذا مشهد من المشاهد التي تثير الفضول، لأن الغريب في الأحلام يحمل غموضاً. وينبغي أن يُقال من البداية إن هذه كلها صور منامية رمزية، وإن الغريب في الحلم ليس شخصاً حقيقياً ولا يجوز أن يُظن به شيء ولا أن يُحكم عليه. فالمقصود هو الصورة وما قد توحي به من معنى عام لا أكثر.
الغريب في عالم الرؤى كثيراً ما يرمز إلى جهة غير معلومة أو سبب لم يكن في الحسبان، والعطاء منه يُقرأ على أنه خير يصل من غير توقع. والموز عند المتأخرين رمز للرزق اللين والنعمة البسيطة السهلة. فإذا اجتمعا قُرئ المشهد على أن في حياة الرائي نعمة صغيرة قد تأتيه من باب لم يخطر بباله. وهذا فهم عام قائم على معنى الرمزين لا على نص قاطع، ولا علاقة له بحال شخص بعينه.
ومن الأمانة أن نذكر أن الموز نادر الذكر في أقدم كتب التعبير ولم يحظَ بما حظي به التمر والعنب والتين، ولذلك فأكثر تأويله بالقياس وبكلام المتأخرين. ونُسب إلى ابن سيرين في باب ما يعطيه الغريب للرائي عموماً أنه قد يدل على نفع يأتي من جهة مجهولة، من غير أن يخص الموز بذلك. وذهب بعض المفسرين إلى أن الغريب في الحلم قد يكون رمزاً لحال في النفس أو لأمر سيقع. وقد اختلفت أقوالهم كثيراً، فلا مجال للجزم بها.
ويتغير المعنى بتفاصيل المشهد. فإن كان الغريب بشوشاً والموز ناضجاً والرائي مطمئناً، فذلك أقرب إلى معنى الخير والفرج. وإن كان الرائي متخوفاً أو مترددا في قبولها فقد يعبّر ذلك عن حذره الطبيعي من الجديد، وهو حذر محمود في اليقظة. وإن كانت الموزة قد تغيّر لونها فقد يُحمل ذلك على أن يتمهل الإنسان في قبول ما يأتيه. وليس في شيء من هذا ما يُعدّ حكماً على أحد.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يُقرأ الحلم على أنه خير يصلها من جهة جديدة، كمعرفة طيبة أو فرصة أو معلومة نافعة. ويُستحسن أن تأخذ منه التفاؤل مع الحذر المعتاد في التعامل مع الناس. ولا يُفهم منه أن شخصاً حقيقياً سيظهر في حياتها. وما يكون في المنام لا يُبنى عليه ثقة بأحد.
وإذا كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد يُحمل المشهد على باب رزق أو عون قد يأتي من جهة غير متوقعة، أو على تعرّف على جيران أو أصدقاء جدد. وقد يكون أثراً من لقاء عابر في يومها. ولا يتجاوز ذلك حدود الاحتمال. والمهم أن تبقى حريصة على أسرتها وأن تحسن الظن دون تفريط في الحذر.
وأما الرجل فقد يفهم منه أن في الأفق علاقات عمل أو معارف جدد قد يعود نفعها عليه. والتاجر قد يرى فيه إشارة إلى عملاء أو شركاء مجهولين. ولكن لا يصح أن يبني على ذلك تعاملاً مع شخص حقيقي، فالمعاملات تُبنى على التثبت والمعرفة لا على المنامات. وهذا أمر مهم ينبغي التذكير به.
ومن التفاصيل: كيف بدا الغريب؟ فإن كان وجهه مألوفاً قليلاً فقد يكون صورة من وجوه رآها الرائي دون أن ينتبه، فالعقل يؤلف الوجوه من الذاكرة. وكيف قدّم الموزة؟ فالتقديم بلطف يوحي بخير ولين. وهل كان الغريب كبير السن أم صغيراً؟ فذلك قد يدخل في تفاصيل الصورة لا أكثر. وهل أكل الرائي الموزة؟ فالأكل يدل على الانتفاع بها. وكل ذلك احتمال لا يصحّ التعويل عليه.
ومن المهم أن نكرر أن شخص الحلم الغريب ليس شخصاً حقيقياً في الغالب، وإنما هو من تأليف العقل أثناء النوم، فلا يجوز أن يُظن بإنسان خيراً أو شراً بسبب ذلك. ومن وجد في نفسه ميلاً إلى ربط الحلم بشخص معين من معارفه فليتجنب ذلك، فإن الأحلام ليست بينة على أحد. وهذا من الأدب الذي يحفظ العلاقات ويريح القلب.
ومن الناحية النفسية والعملية، يذكّر هذا الحلم بأن الخير قد يأتي من حيث لا نتوقع، وبأن الانفتاح الهادئ على الناس مع الحذر المعقول من حسن التدبير. وهو دعوة إلى الامتنان لما يصلنا من لطف الآخرين، حتى من لا نعرفهم. ومن أحسن إلى الغريب بكلمة طيبة وجد في ذلك أثراً حسناً. فلنأخذ من الحلم روح الانفتاح الحكيم.
ويحسن أن نضيف أن كثيراً من الناس يرون أشخاصاً لا يعرفونهم في أحلامهم، وأن هذا من طبيعة النوم، إذ يجمع العقل وجوهاً وملامح من ذاكرة واسعة فيركّب منها شخصاً جديداً. فلا ينبغي أن يُدخل ذلك في النفس خوفاً ولا أملاً مبالغاً فيه. والأسلم أن يُنظر إلى الصورة نظرة هادئة ثم تُترك، ويعود الرائي إلى مشاغله بقلب خفيف. وبذلك يسلم من التطير ومن التعلق بما لا يملكه، ويحفظ لنفسه صفاء حسن الظن بالناس وبخالقه.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يُبنى عليه قرار حقيقي ولا حكم على أحد من الناس. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ ربه وليحسن به الظن. والغيب كله عند الله وحده، وما نقوله إنما هو تقدير بشري قاصر.
