من الأحلام اللطيفة أن يرى الإنسان نفسه وهو يقدّم موزاً هدية لشخص آخر، ربما في كيس أنيق أو طبق صغير، وعلى وجهه ابتسامة. وهذا المشهد يحمل في ظاهره دفئاً وبساطة، ولذلك يستيقظ منه كثيرون وقد انشرح صدرهم. وقد يكون له أصل في رغبة قديمة في أن يُسعد أحد الأقارب أو الأصدقاء. ومع ذلك فلا ينبغي حمله على ظاهره، فهو من جملة الرموز التي يتأمل الناس فيها بحذر وتواضع.
الهدية في الأحلام تعبّر في العادة عن المودة وحسن الصلة وتبادل المشاعر الطيبة، ومن قدّم هدية في منامه فكأنه يمدّ يداً بالخير. والموز عند المتأخرين من المفسرين يرمز إلى منفعة لينة سهلة، ونعمة بسيطة قريبة، فيكون إهداؤه رمزاً لتوزيع الخير الصغير بين الناس. وهكذا يمكن أن يُقرأ المشهد على أنه إشارة إلى أن الرائي ممن يحبون إدخال السرور على غيرهم بما يستطيعون. وهذه قراءة عامة قائمة على المعاني لا على نص قاطع.
ومن الأمانة العلمية أن نقول إن الموز نادر الذكر في أقدم كتب تفسير الأحلام، وإن ما يُنقل في تأويله مأخوذ غالباً بالقياس على الفواكه الحلوة وبكلام المتأخرين. ونُسب إلى ابن سيرين في باب الهدايا عموماً أن العطاء الطيب يدل على محبة وألفة وخير يعود على صاحبه، ولا يصح أن يُجعل ذلك نصاً في الموز بعينه. وذهب بعض المفسرين إلى أن من أهدى شيئاً في منامه قد ينال مثله أو خيراً منه في اليقظة. ولا يخفى أن أقوال المفسرين كثيرة التباين، ولا يجوز التعويل على قول منها بغير تثبت.
ويتأثر المعنى بتفاصيل الهدية. فإن كان الموز ناضجاً جميلاً وقُدّم برفق، فذلك أقرب إلى معنى الخير الصادق والمودة الصافية. وإن كان الموز قد اسودّ أو كان المهدى إليه يرفضه، فقد يُحمل ذلك على شيء من الحرج في العلاقات أو الحاجة إلى حسن اختيار الكلمة والموقف. ولو كان الإهداء سراً أو علناً، فالعلن قد يشير إلى ألفة ظاهرة، والسر إلى كرم لا يطلب شهرة.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يرى بعض المفسرين أن الإهداء يدل على علاقات طيبة مع صديقاتها أو أسرتها، وعلى قلب يحب الخير للناس. وربما كان صورة لحنين إلى صلة قريبة. ولا يُفهم منه شيء يتعلق بالمستقبل المحدد. وإنما يكفيها أن تتفاءل بما فيه من لطف وتواصل.
وإذا كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد يكون الحلم انعكاساً لحرصها على إدخال السرور على أهلها وجيرانها بما تيسر. ويرى بعض المتأخرين أن إهداء الطعام الطيب يدل على بركة في البيت وحسن علاقة بالمحيطين. وقد يرتبط بذكرى مناسبة قريبة أو بنية زيارة. وهذا تأويل رمزي تقريبي لا غير.
وأما الرجل فقد يُقرأ الإهداء عنده على أنه مروءة وصلة رحم وصحبة طيبة، وقد يدل على أن له سمعة حسنة بين الناس. وإن كان صاحب عمل فقد يكون صورة لتقدير زملائه ومعاونيه. وهذا كله من باب حسن الظن. ولا يصح أن يُتخذ دليلاً على ربح أو مكسب مضمون.
ومن التفاصيل المفيدة: من هو المهدى إليه؟ فإن كان قريباً فالأمر يرتبط بصلة الرحم، وإن كان غريباً فقد يرتبط بباب خير جديد، ولا نجزم. وكيف كان شعور المتلقي؟ فالفرح يدل على قبول وانسجام. وهل كانت الهدية وحدها أم مع غيرها من الطعام؟ فالتنوع قد يوحي بسعة الكرم. وهل كان الرائي يتمنى شكراً؟ فذلك يدعوه إلى تخليص النية من انتظار الشكر.
ومن الوجهة النفسية والعملية، يذكّر الحلم بأن الهدية الصغيرة تفتح القلوب أكثر مما يُظن، وأن الكرم لا يُقاس بقيمة الشيء بل بصدق النية. وقد يدعو صاحبه إلى أن يعيد وصل من انقطع عنه أو أن يسأل عن قريب مشغول. ومن تعوّد البذل البسيط وجد في نفسه سعة وفي حياته بركة. فلنجعل هذه الرؤيا باعثاً على الإحسان والامتنان.
وقد يلاحظ الرائي أن مثل هذه الأحلام تتكرر في أوقات معينة، كقرب مناسبة عائلية أو أيام الأعياد أو بعد لقاء مع الأحبة. وفي هذه الحال يكون الحلم صدى لانشغال القلب بالناس والرغبة في إسعادهم أكثر منه رمزاً خاصاً. ومن الجميل أن يجعل المرء من هذه الرغبة عملاً حقيقياً، كزيارة أو اتصال أو هدية يسيرة، فإن العمل الطيب في اليقظة أبلغ أثراً من أي تأويل. ولا يلزم أن تكون الهدية غالية، فإن أحب الهدايا ما جاء عن نية صافية وبساطة صادقة.
وخاتمة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا يُقطع به في أمر من أمور الغد. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يزعجه فليدعُ ربه وليحسن به الظن. وعلم ما سيكون عند الله وحده، ونحن لا نملك إلا حسن العمل وصدق النية.
