قد يرى الإنسان في منامه نبتة موز صغيرة تكبر أمام عينيه في لحظات، فتطول ويكتمل ساقها وتحمل عنقوداً ناضجاً كأن الأيام مرت في دقائق. وهو مشهد عجيب لا يحدث إلا في الأحلام، ويترك في النفس شعوراً بالدهشة. ونذكّر من أول الأمر بأن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وإن هذه الصورة لا تعني أن أمراً سيتحقق بسرعة في الواقع. وإنما هي مما يتأمله بعض المفسرين المتأخرين على سبيل الاحتمال، ولا يُقطع فيها بشيء.
والموز في الرؤى يُذكر رمزاً للرزق اللين والنفع القريب والفاكهة الحلوة اليسيرة. أما النمو السريع فيُقرأ عند بعضهم رمزاً لتسارع الأمور وقرب الثمرة، وقد يُنظر إليه على أنه استعجال في أمر ما. فإذا اجتمعا، فإن القراءة المتداولة أن في حياة الرائي أمراً يرجو ثمرته، وأن الحلم يجسّد رغبته في أن يرى النتيجة سريعاً. وقد يُفهم منه كذلك أن نفعاً صغيراً قد يكبر في وقت أقصر مما ظن، دون أن يكون في ذلك وعد مؤكد.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب النبات والشجر أن الشجرة النامية قد تدل على زيادة في الحال بقدر ما يُرى من نموها، وأن سرعة النمو قد تُقرأ على عجلة الأمر. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما ينمو في المنام بسرعة قد يدل على أمر لا ثبات له إن لم يستند إلى أصل. والحق أن الموز نفسه قليل الذكر في أقدم كتب التعبير مقارنة بالتمر والعنب والتين، وأن هذه القراءات قياس عن المتأخرين، ولا يصح أن يُنسب إلى الأوائل ما لم يقولوه، وقد اختلف المفسرون في ذلك.
ويتغير المعنى بتغير الأحوال. فإذا كان النمو سريعاً لكن الثمر طيباً ناضجاً والرائي مسروراً، فالأقرب أن الحلم يحمل معنى الاستبشار بنفع قريب. وإن كان النمو متعجلاً والثمر أخضر فجاً، فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر يحتاج إلى مزيد من النضج والتروي. وإن نما الشجر حتى ضاق به المكان، فقد يعني كثرة تزاحم الأمور. وإن شعر الرائي بالقلق من السرعة فذلك أمر يعكس ما في نفسه. فالنظر إلى مشاعره أولى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنها تتعجل أمراً تنتظره، أو أن في حياتها شيئاً يتحرك أسرع مما توقعت، ويبقى ذلك ظناً. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى أن الأبناء أو أمور البيت تكبر وتتغير بسرعة. وللحامل قد يعكس الحلم شعورها بنمو الجنين وتغير جسمها، وهذا من أقرب التفسيرات النفسية. وهذه كلها احتمالات لا يُجزم بها، وللمفسرين فيها آراء متفاوتة.
وللرجل قد يُقرأ الحلم على أن مشروعاً صغيراً يتسع، أو أن عليه أن يتروى حتى لا يتوسع بغير أساس. وللتاجر قد يشير إلى نمو في الطلب، فينبغي أن يوازن بين الاستعداد والحذر. وللطالب قد يعني شعوراً بضيق الوقت وتسارع الأيام. وليس في هذه القراءات ما يصلح لبناء قرار توسعي أو استثماري، فالأمور المالية تُدار بالدراسة والمشورة لا بالأحلام.
ومن التفاصيل التي ينظر فيها المفسرون: كم استغرق النمو؟ وكم عدد الأعناق التي ظهرت؟ وهل كان النمو في حديقة أم في بيت؟ وهل أكل الرائي من الثمر أم تركه؟ فالأكل قد يعني اغتنام النفع. وهل جفت النبتة بعد ذلك؟ فجفافها قد يعني أن السرعة بلا جذور. وكيف كان لون الأوراق؟ فالأخضر الزاهي أقرب إلى الخير. وكل هذا من قبيل الاستئناس لا الجزم، ولا يغني عن التأمل الهادئ.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يكون هذا الحلم دعوة هادئة إلى الموازنة بين الطموح والصبر، فكل ثمرة تحتاج إلى وقتها، والأمور الطيبة تنضج على مهل. وفيه كذلك تذكير بأن بعض ما نظنه بطيئاً قد يتغير بسرعة حين يحين أوانه. ومن الحكمة أن يعمل الإنسان بجد ويصبر، ويترك النتائج لله، ويفرح بكل خطوة صغيرة في طريقه.
وقد يكون الحلم أيضاً مجرد انعكاس لمقطع مصور أو مشهد زراعي رآه الرائي، فلا يحمل دلالة، وهذا كثير في عصرنا حيث تمر على الناس صور سريعة. فلا ينبغي أن يرهق الإنسان نفسه بالتفتيش في كل صورة، وإنما يكفيه أن يأخذ العبرة التي تنفعه من صبر وعمل، ثم يعود إلى يومه بسكينة.
ومما يحسن التنبيه إليه أن سرعة النمو في الأحلام ليست دليلاً على سرعة مماثلة في اليقظة، فالحلم يضغط الزمن ويمدده كما يشاء. وكثير من الناس يرون في نومهم أن أياماً مضت في لحظات وأن أحداثاً كبيرة وقعت في دقائق، ثم يستيقظون فإذا بالواقع كما تركوه. ولهذا فإن أصوب ما يُقال في هذه الصورة أنها تعبير عن شعور الرائي بالزمن والانتظار، أكثر مما هي إخبار عن مستقبل، وهذا ما يميل إليه كثير من المتأخرين في تفسير مثل هذه المشاهد.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو توسع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فالأحسن أن يقابل الرائي منامه بالدعاء وحسن الظن بالله، ويسأله البركة والتوفيق، ثم يمضي في سعيه صابراً.
