من الأحلام الهادئة أن يرى الإنسان نفسه في حديقة خضراء وفيها أشجار موز ذات أوراق عريضة وعناقيد معلقة، والهواء لطيف والمكان ساكن. وهو مشهد يبعث على الارتياح، وكثيراً ما يستيقظ صاحبه وقد بقي في نفسه أثر من الصفاء. ونذكّر بأن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وأن هذه الصورة لا تعد بشيء ولا تنذر بشيء. وإنما يتأمل فيها بعض المفسرين المتأخرين على سبيل الاحتمال، وبتحفظ يتناسب مع قلة النصوص القديمة في هذا الباب.
والموز في الرؤى يُذكر رمزاً للرزق اللين والنفع القريب والفاكهة الحلوة اليسيرة. أما الحديقة فتُقرأ عند كثير من المفسرين رمزاً للراحة والسكينة والأماكن التي يجد فيها الإنسان أنساً وصحبة طيبة، وقد تشير إلى سعة العيش وجمال الحال. فإذا اجتمعا، فإن القراءة المتداولة أن الصورة تحمل معنى الصفاء مع النفع، وأن الرائي قد يكون في مرحلة يشعر فيها بأن أموره متيسرة ومريحة. وقد يُفهم منها كذلك أن ثمرة جهده تنمو في بيئة هادئة.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الحديقة والبستان في المنام قد يدلان على الراحة والنعمة وحسن المعيشة بحسب خضرتهما وثمارهما، وأن الشجر المثمر أقرب إلى الخير. وذهب بعض من جاء بعده إلى أن كثرة الثمر في البستان تُقرأ على كثرة النفع. ولا بد من الصراحة بأن الموز نفسه قليل الذكر في أقدم كتب التعبير مقارنة بالتمر والعنب والتين، وأن هذه القراءات قياس عن المتأخرين، ولا يصح أن يُنسب إلى الأوائل ما لم يقولوه، وقد اختلف المفسرون في ذلك.
ويتغير المعنى بتغير الأحوال. فإذا كانت الحديقة مرتبة نضرة والموز ناضجاً والرائي مطمئناً، فالأقرب أن المعنى هو السكينة والنفع الهادئ. وإن كانت مهملة جافة والموز ذابلاً، فقد يُقرأ ذلك على أن أمراً يحتاج إلى عناية ورعاية. وإن كان الرائي وحده فذلك يشير إلى خلوة وتأمل، وإن كان مع أهله وأصحابه فذلك أنس وصحبة. وإن قطف من الثمر وأكل فهو أدعى للتفاؤل بالانتفاع. ويبقى شعور الرائي أهم القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنها في مرحلة نمو وهدوء، وأن ما تزرعه من علم أو علاقة يثمر بصبرها، ويبقى ذلك ظناً. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى سكينة البيت وحسن العناية به، وإلى ثمرة تعبها مع الأسرة. وللحامل قد يعكس الحلم رغبتها في الراحة والهدوء في هذه المرحلة، وربما تخيلها لحياة هانئة. وكل ذلك احتمالات لا يُقطع بها، وقد يرى غيرها مفسر آخر.
وللرجل قد يُقرأ الحلم على أن عمله أو سعيه يثمر في هدوء وبصبر، وأن في حياته مجالاً للراحة بعد التعب. وللتاجر قد يشير إلى تجارة مستقرة أو علاقة طيبة مع المزارعين والموردين. وللطالب قد يعني مرحلة هادئة من التحصيل. وهذه كلها قراءات عامة لا تصلح لأن تُبنى عليها قرارات مالية أو عملية، فالأمور الحقيقية تقوم على السعي والتخطيط والمشورة.
ومن التفاصيل التي ينظر فيها المفسرون: كم عدد أشجار الموز؟ وهل هي مثمرة أم لا؟ وهل في الحديقة ماء أو ظل؟ وهل هي مسورة أم مفتوحة؟ وهل كان صاحب الحديقة هو الرائي أم غيره؟ فملكيته قد تعني اتصاله بالنفع المباشر. وهل تجول فيها بهدوء أم كان يعمل؟ فالعمل قد يدل على سعي. وكل هذه قرائن ظنية لا تتجاوز الاستئناس، ويبقى للرائي أن يختار ما يناسبه منها.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يكون هذا الحلم دعوة إلى التمهل، وإلى منح النفس فرصة للراحة والتأمل بعد التعب. وفيه تذكير بأن الأشياء الطيبة تنمو بالرعاية والصبر كما تنمو النبتة في الحديقة. ومن الحكمة أن نخصص لأنفسنا أوقاتاً هادئة، وأن نعتني بما نزرعه من علاقات وأعمال، وأن نشكر على ما وفقنا الله إليه ونسأله المزيد من الخير.
وقد يكون الحلم أيضاً صدى لصورة رآها الرائي في رحلة أو مقطع عن الطبيعة، أو شوقاً إلى مكان هادئ، فلا يحمل دلالة أخرى. ولا حرج في ذلك، فالنفس تحنّ إلى الخضرة والسكون، وهي حاجة مشروعة. وإن شعر الرائي بالانشراح فليحمد الله وليجعل ذلك دافعاً إلى الاهتمام بصحته النفسية وراحته، دون أن يربط الحلم بتوقعات محددة.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فعلى الرائي أن يقابل منامه بالدعاء وحسن الظن بالله، ويسأله السكينة والبركة، ثم يمضي في يومه مطمئناً شاكراً.
