رؤية الموز معلقاً على شجرته مشهد هادئ جميل، فالعنقود يتدلى بثقله بين الأوراق العريضة والثمار لم تُمسّ بعد. وهي صورة تختلف عن الموز المقطوف الذي صار في اليد أو في الطبق، فهنا الثمرة ما زالت متصلة بأصلها. وكل ما يُقال في تفسيرها رمزي احتمالي، لا يُقصد به الجزم بحدث ولا الإخبار بغيب.
الثمرة المعلقة على شجرتها تدل في الرمز عند بعض المتأخرين على خير قائم ولكنه لم يُنَل بعد، أو أمل قريب المنال لكنه ينتظر أوانه، أو رزق مكتوب في طريقه إلى صاحبه. ولذلك يُقرأ الموز على الشجرة على أنه فرصة حاضرة تحتاج إلى مد اليد في الوقت المناسب. وهو كذلك صورة للأصل المثمر الذي يعطي بلا ضجيج، فالثمرة تنمو على مهل وتحمل الشمس والماء في لبها.
وبأمانة نقول إن كتب التعبير الأولى تتحدث عن الثمار على الأشجار عموماً، ولا تفصّل في الموز. وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الثمر المعلق على شجرته قد يدل على مال أو خير مرجو لم يصل بعد، ونذكر ذلك على سبيل النقل المحتمل. وذهب بعض المفسرين إلى أن الثمر في شجرته دليل على النعمة الباقية المستقرة، واختلفوا في تفاصيل ذلك، فلا يصح الجزم بقول واحد.
ويتغير المعنى بتغير الحال، فالموز الأصفر المعلق الناضج أقرب إلى خير جاهز للقطف، والموز الأخضر المعلق أقرب إلى انتظار وصبر. وإذا كان العنقود ثقيلاً غزيراً فهو أقرب إلى وفرة، وإن كان خفيفاً فهو أقرب إلى خير يسير. وإن كان عالياً يصعب بلوغه فهو أقرب إلى مطلب يحتاج إلى وسيلة، وإن كان قريباً من اليد فهو أقرب إلى ما تيسر.
وللرجل قد يدل الموز على الشجرة على مشروع ما زال في طور النمو أو رزق يقترب موعد استحقاقه. وللتاجر قد يُفهم على أنه بضاعة في الطريق أو صفقة لم تتم بعد، مع التنبيه إلى أن الأمور تُحسم بالواقع. وهذا مجرد استئناس لطيف.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل على أمنية معلقة تنتظر وقتها، فيحسن بها الصبر وحسن الاستعداد. وللمرأة المتزوجة قد يدل على خير في الأسرة ينمو بهدوء، وللحامل قد يعبر عن شعور بقرب أمر منتظر، دون جزم بشيء. وكلها معانٍ مرنة تختلف باختلاف الأحوال.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يكون العنقود في شجرة صحية أو ذابلة، وأن يحيط به النحل أو الطيور أو الظلال، وأن يرى الرائي نفسه تحته أو بعيداً عنه. فالشجرة الصحية أقرب إلى أصل قوي، والذابلة أقرب إلى حاجة إلى رعاية، والطيور أقرب إلى مشاركة الآخرين في الخير، والجلوس تحتها أقرب إلى طمأنينة. وإن بدت الثمار مهددة بالسقوط فقد يُنبَّه إلى مراجعة ما يوشك أن يفوت.
وعلى الصعيد النفسي قد يعبّر الحلم عن شعور بأن شيئاً جميلاً قريب لكنه لم يتحقق بعد، وقد يعكس صبراً أو ترقباً. وفيه دعوة إلى أن يستمتع الإنسان بالانتظار نفسه، فكثيراً ما تكون الرحلة إلى الثمرة أجمل من الثمرة. وفيه كذلك تذكير بأن الخير لا يُقطف قبل أوانه.
وقد يكون الحلم أثراً من مشهد في سفر أو صورة أو فيلم، فلا يلزم تحميله معنى. ومن وجد فيه راحة فليكتفِ بها وليحمد الله على نعمة العين والبصر.
ومن جميل ما يُلاحظ في أشجار الموز أن عنقودها يتجه بثماره إلى أعلى بعد أن يتدلى في الأسفل، فتبدو الثمرات كأنها تلتفت إلى السماء رغم ثقلها. وقد يُستلهم من هذا المنظر أن الأمل لا ينبغي أن ينكسر مهما ثقلت الأعباء، وأن الله يعطي الصابرين بما لا يتوقعون. وهذه خاطرة إيمانية هادئة لا تحمل حكماً على الرؤيا.
وقد يتأمل بعضهم في أن الثمرة المعلقة لا تُملك إلا بالمد والجهد، فلا تسقط في الفم من تلقاء نفسها. وفي هذا تذكير بأن الأمل وحده لا يكفي ما لم يصحبه عمل، وأن الاتكال على الأماني بلا سعي لا يجدي. فالجمع بين الأمل والعمل هو الطريق المستقيم في كل شأن.
ويحسن أن نقارن بين الموز على الشجرة والموز في اليد، فالأول يوحي بالأمل والامتداد والبدايات التي لم تكتمل، والثاني يوحي بما تحقق وصار ملكاً. وكأن الحلم يضع أمام الرائي ثمرة ما زالت في عالم الاحتمال، ويدعوه إلى أن يسأل نفسه ماذا يفعل ليقترب منها بحكمة. فإن كان ينتظر شيئاً فليواصل سعيه، وإن كان قد أخذ كفايته فليشكر. وهذا كله تأمل هادئ في الصورة وليس تفسيراً قاطعاً لها، والله أعلم بما يكون.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو علاقة. والأولى الدعاء وحسن الظن بالله والأخذ بالأسباب، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
