قد يجد الإنسان نفسه في منامه واقفاً خلف طاولة صغيرة أو عربة وهو يبيع الموز للمارّة، فيزن ويعدّ ويتلقى الثمن. وهذا المشهد يكثر عند من يعملون في التجارة أو تعلقت قلوبهم بها، لكنه يظهر أيضاً عند من لا صلة لهم بها. ويُنظر إليه عادة نظرة لطيفة لأنه يحمل صورة الكسب والتعامل بين الناس. ومع هذا فهو رمز من الرموز، ولا يصح أن يُفهم منه أن الرائي سيمتهن البيع أو سيربح مالاً بعينه.
البيع في تعبير الرؤى يتصل غالباً بتصريف ما عند الإنسان من علم أو جهد أو مال، وبالتعامل مع الناس وأخذ المقابل. والموز عند المتأخرين من المفسرين يدل على رزق سهل لين ومنفعة قريبة، فبائعه كأنه يتصرف في نعمة لينة يسهل الانتفاع بها. فيُحتمل أن يدل المشهد على باب كسب بسيط مرتبط بالخدمة أو التعامل الودّي. وهذا تقدير عام قائم على معنى الرمزين لا على نص قاطع.
ولا بد أن نصرّح بأن الموز لم يُذكر في أقدم كتب التعبير كما ذُكرت التمور والأعناب، فأكثر ما يُنقل عنه تأويل متأخر وقياسي. ونُسب إلى ابن سيرين في الأحلام التي فيها بيع وشراء أن البائع قد يدل على من يتصرف في رزقه أو يدبّر معاشه، من غير أن يخص الموز بذلك. وذهب بعض المفسرين إلى أن البيع الرابح يدل على خير وأن الخاسر يدل على تعب وتبدل أحوال. وقد تفاوتت أقوال أهل التعبير في هذا الباب، فمن الحكمة ألا نجعلها قاطعة.
ويختلف المعنى بحسب تفاصيل البيع. فإذا كان الموز طازجاً ناضجاً والمشترون كثيرين والبيع سهلاً، فذلك أقرب إلى معنى الرزق المتيسر والسمعة الحسنة. وإذا كان الموز يفسد قبل البيع أو لا يُقبل عليه أحد، فقد يُقرأ ذلك تنبيهاً إلى حسن التدبير وعدم التفريط في النعم. وإن بيع بسعر عادل فالدلالة على الإنصاف في المعاملة، وإن بيع بسعر مبالغ فيه فقد يكون تذكيراً بالقناعة والتجنب للغلو في الكسب.
وللتاجر خاصة قد يكون هذا الحلم انعكاساً لانشغاله بحسابات يومه أكثر منه رمزاً. فإن كان بائع فاكهة فمن الطبيعي أن يراه كثيراً. وإن كان تاجراً في غير ذلك فقد يُحمل على تنوع الأبواب وعلى الحاجة إلى تفقد بضاعته ومعاملاته. ولا ينبغي أن يغيّر قراراته التجارية بسبب منام، وإنما يرجع إلى حساباته وأهل الخبرة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ البيع على أنه إشارة إلى نشاط وجهد تبذله في دراسة أو عمل أو مشروع صغير، وإلى تعامل طيب مع الناس. وقد يدل عند بعضهم على اعتمادها على نفسها واكتسابها خبرة جديدة. وهذه قراءة تفاؤلية لا ينبغي أن تُحمَّل أكثر مما تحتمل. وتبقى الحياة الواقعية وفرصها هي الأصل.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الحلم بتدبير المال المنزلي أو بمساعدتها أسرتها في عمل صغير يعود عليهم بنفع. ويرى بعض المتأخرين أن بيع الفاكهة الطيبة يدل على معاملة حسنة وسمعة طيبة عند الجيران والأقارب. وقد يكون صدى لحديث دار حول شراء أو بيع في البيت. ولا يخرج ذلك عن دائرة التأويل الظني.
وأما الرجل فقد يفهم منه أن رزقه مرتبط بالتعامل الأمين مع الناس، وأن الصدق في الكيل والوزن يجلب الثقة. وهذه المعاني مأخوذة من القيم العامة المرتبطة بالبيع لا من نص خاص بالموز. ومن الدقائق: هل أعطى الرائي الميزان حقه؟ فهذا يرمز إلى العدل في التعامل. وهل اشتكى منه أحد؟ فقد يكون تنبيهاً لطيفاً إلى مراجعة معاملاته. وهل أهدى بعض الموز للفقراء مع البيع؟ فهذا يميل إلى معنى الكرم في الكسب.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يذكّر الحلم بأن الكسب الطيب يقوم على الأمانة والصبر والخلق الحسن، وأن البركة تتبع الصدق. وقد يشجع الرائي على أن يتقن عمله وأن يشكر ما بين يديه من رزق وإن كان يسيراً. ومن عامل الناس بلين وبسط وجهه كسب محبتهم قبل أن يكسب مالهم. فليجعل الإنسان من هذه الرؤيا حافزاً لحسن الخلق وإتقان العمل.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يتذكر حاله قبل النوم، فربما كان قد مرّ بسوق أو تحدث عن بيع وشراء أو شاهد بائعاً يعرض بضاعته في الطريق. فمثل هذه الخواطر اليومية كثيراً ما تتسلل إلى المنام في صور مألوفة لا تحمل رسالة معينة. وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى التفتيش عن معنى بعيد، ويكفي أن يعدّه الرائي أثراً عابراً من آثار النهار. والحلم الذي يوافق مشاغل اليقظة لا يُبنى عليه تأويل خاص، والراحة النفسية خير من الاستغراق في التأويل.
وفي الختام نقول إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وليس معياراً لقرار تجاري أو مالي حقيقي، فلا يُغلق متجر ولا يُفتح بسببه. فإذا رأى المرء ما يسره فليحمد الله عليه، وإن رأى ما يشغله فليدعُ ربه وليحسن به الظن. والغيب كله لا يعلمه إلا الله، وما نحن إلا ساعون في الأرض متوكلون عليه.
