قد يرى النائم أن قطعة موز علقت في حلقه فلم تنزل بسهولة، وربما استيقظ وهو يتنحنح أو يشرب الماء. وهذا المشهد قد يوقظ في النفس شيئاً من الانزعاج، لكنه في الغالب من الأحلام العابرة التي لا ينبغي أن تُقلق. وأول ما يقال هنا هو أن الحلم لا يُعدّ علامة طبية ولا دليلاً على شيء في الجسد، وإنما هو صورة تمر في النوم، وقد يكون سببها وضعية النوم أو جفاف الحلق أو العشاء الثقيل. أما ما يُذكر من معانٍ رمزية فهو تقريب يُقرأ بهدوء ولا يُجعل حكماً.
الحلق في الأحلام يرتبط عند المفسرين بالكلام والعبارة وبما يمر من الطعام والشراب، وما يعلق فيه قد يُقرأ على أنه أمر يحتاج إلى تأنٍّ في التعامل معه. والموز عند المتأخرين رمز للرزق اللين والنعمة السهلة. فإذا اجتمعا قُرئ المشهد على أنه تنبيه لطيف إلى التمهل في تناول الخير، وعدم العجلة في طلب ما هو ميسور. وهذه قراءة عامة تقريبية، ولا تعني أن شيئاً سيئاً سيقع.
ومن الأمانة أن نقول إن الموز نادر الذكر في أقدم كتب تأويل الرؤى، وإن ما يُنقل عنه تأويلات متأخرة وقياسية على الفاكهة الحلوة. ونُسب إلى ابن سيرين في أحلام الاختناق والغصص عموماً أنها قد تدل على هم عابر أو أمر يُضيّق على الرائي حتى يزول، ولا يصح أن يُجعل ذلك نصاً في الموز. وذهب بعض المفسرين إلى أن من غصّ بطعام في منامه ثم نجا منه فالأمر إلى خفة وفرج. وقد اختلفت أقوالهم في هذه المسائل، فلا نجزم بشيء.
وللتفاصيل أثر في تلطيف المعنى. فإن زال الموز من الحلق سريعاً وشعر الرائي بالارتياح، فذلك أقرب إلى معنى الفرج بعد ضيق صغير. وإن بقي الحلم مبهماً فهو في الأغلب أثر جسدي أو نفسي. وإن كان الموز ناضجاً جداً أو يابساً فقد يكون الحلم ثمرة حديث عن الأكل. وكل ذلك احتمالات، وأهم ما فيها أن يطمئن الرائي وألا يعطي الحلم أكثر من قدره.
وإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يعبّر المشهد عن كلمة لم تقلها أو أمر كانت تتردد فيه، فعلق في نفسها كما علق في الحلم. وهذا تعبير نفسي لطيف. وليس معناه وقوع مكروه. والأولى أن تطمئن وتتحدث بما في نفسها مع من تثق بهم.
وإذا كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد يكون الحلم أثراً من كلمة مكتومة أو شعور بالضغط في شؤون البيت، فتعبّر عنه الصورة بالعلوق. ولا يدل على سوء في أسرتها. وربما كان من الأنفع لها أن تتحدث مع من تثق به بهدوء. وهذا أقرب إلى حسن التدبير منه إلى التأويل.
وأما الرجل فقد يفهم منه أنه يؤجل كلاماً أو قراراً يضغط عليه، أو أنه يحتاج إلى التمهل في أمر مستعجل. والتاجر قد يرى فيه تنبيهاً إلى عدم الاستعجال في صفقة. وهذا معنى عملي لطيف. ولا يُترك العمل أو يُغيّر بسبب مشهد منامي.
ومن التفاصيل: هل استيقظ الرائي مختنقاً حقيقة؟ فإن كان كذلك فالأمر أمر جسدي بسيط، ولا ينبغي أن يُنسب إلى رمز، وإذا تكرر معه الشعور في اليقظة فالأحسن أن يستشير طبيباً مختصاً من باب العناية بالصحة لا من باب التأويل. وهل تناول عشاءً ثقيلاً؟ فقد يفسر ذلك الحلم. وهل كان نائماً على ظهره؟ فبعض أوضاع النوم تسبب أحلاماً من هذا النوع.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يتذكر أن مثل هذه الصور شائعة جداً بين الناس، وليس فيها ما يستدعي الخوف. وقد يكفي أن يشرب قليلاً من الماء وأن يغيّر وضعيته وأن يهدئ نفسه ببعض الذكر الحسن ثم يعود إلى نومه. وما يقلق المرء أكثر من الحلم هو كثرة التفكير فيه، فكلما قلّ الانشغال به ضعف أثره في النفس.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يعبّر الحلم عن حاجة المرء إلى التنفيس عما في صدره، وإلى أن يتحدث بما يشغله مع من يحب ويثق به. وهو دعوة إلى التأني في الأكل والكلام، وإلى أن يأخذ الإنسان الأمور بهدوء وصبر. ومن أعطى نفسه فرصة للراحة والتنفس العميق وجد الأمور أيسر مما ظن. فلنأخذ من الحلم الطمأنينة لا الخوف.
ومن الأمور المطمئنة أن أحلام الغصص والتعثر في الكلام أو الطعام من أكثر الأحلام شيوعاً بين الناس في كل البلدان، وأنها كثيراً ما ترتبط بأيام الانشغال أو الإرهاق أو كثرة الأفكار قبل النوم. فمن رآها فليعلم أنه ليس وحده، وأن النفس تحتاج أحياناً إلى هدنة قصيرة. وإذا حرص على نوم منتظم وعشاء خفيف وقلل من الكلام المتوتر في آخر يومه قلّت هذه الأحلام بإذن الله. وهذه نصائح صحية عامة بسيطة، لا تدّعي علاجاً ولا تشخيصاً.
وخاتمة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي ولا يُعدّ دليلاً على حالة صحية أو غيرها. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ ربه وليحسن به الظن، فهو أرحم بنا من أنفسنا. وعلم الغيب عند الله وحده، ولا يعلمه سواه.
