قد يرى الإنسان في منامه موزة في يده، ثم يراها تتحول أمام عينيه إلى فاكهة أخرى كالتفاح أو العنب أو البرتقال، دون أن يعرف كيف حدث ذلك. وهذا من الأحلام الشائعة التي تتبدل فيها الأشياء بسهولة، فلا يستغرب صاحبها كثيراً. ونقول من البداية إن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وإن هذا المشهد لا يعني شيئاً محدداً في الواقع. وإنما هو مما يتأمله بعض المفسرين المتأخرين على سبيل الاحتمال، بلا جزم ولا قطع.
والموز في الرؤى يُذكر رمزاً للرزق اللين السهل والنفع القريب والفاكهة الحلوة. فإذا تحول إلى فاكهة أخرى، فإن القراءة المتداولة أن صورة النفع قد تتبدل مع بقاء أصله، أي أن ما يحصله الرائي قد يأتي من جهة غير التي توقعها، أو بصورة مختلفة عما اعتاد. ويختلف المعنى بحسب الفاكهة الجديدة، فكل فاكهة تحمل عند المفسرين دلالات عامة قريبة من الحلاوة والنفع أو الحموضة والعناء. وهذه قراءة هادئة لا تخويف فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الفواكه في المنام عموماً قد تدل على منافع تتفاوت بحسب نوعها وموسمها وطعمها، وأن الحلو منها أقرب إلى الخير، والحامض إلى العناء. وذهب بعض المفسرين إلى أن تبدل الشيء من صنف إلى آخر قد يشير إلى تبدل الأحوال. والحق أن الموز نفسه قليل الذكر في أقدم كتب التعبير مقارنة بالتمر والعنب والتين، وأن ما قيل في تحوله قياس عن المتأخرين، ولا يصح أن يُنسب إلى الأوائل ما لم يقولوه، وقد اختلف المفسرون في ذلك.
ويتغير المعنى بتغير الأحوال. فإن تحول الموز إلى فاكهة حلوة ناضجة والرائي مسرور، فالأقرب أن المعنى هو تبدل مريح في صورة النفع. وإن تحول إلى فاكهة حامضة وتضايق الرائي، فقد يُقرأ ذلك على أن بعض الجهد قد يُطلب قبل الحصول على المنفعة. وإن كانت الفاكهة الجديدة أحب إليه من الموز فذلك أدعى للتفاؤل بتغير يوافق ذوقه. وإن حزن على فقد الموز فقد يعني تعلقاً بشيء مألوف. ومعول الأمر على المشاعر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أن اهتماماتها أو خططها قد تتبدل نحو أمر جديد يناسبها، وأن ما كانت تظنه طريقاً واحداً قد يتشعب. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تغير في روتين البيت أو أحواله، وتبدل في طريقة تدبير الأمور. وللحامل قد يعكس الحلم تقلب الرغبات والأذواق في هذه المرحلة. وكل ذلك احتمالات لا يُقطع بها، ولا يُبنى عليها أمر.
وللرجل قد يُقرأ الحلم على أن مصدر رزقه قد يتغير من جهة إلى أخرى، أو أنه سيجرب مجالاً مختلفاً مع بقاء أصل سعيه. وللتاجر قد يشير إلى تحول في نوع البضاعة المطلوبة أو في أسلوب البيع. وللطالب قد يعني تغيراً في التخصص أو الاهتمام. وهذه قراءات اجتهادية قابلة للخلاف، ولا تصلح أن تكون أساساً لتغيير مهنة أو دراسة، فالقرارات تُبنى على الواقع والمشورة والتجربة.
ومن التفاصيل التي ينظر فيها المفسرون: ما الفاكهة التي تحول إليها الموز؟ وهل كان التحول سريعاً أم بطيئاً؟ وهل بقي شيء من شكل الموز في الفاكهة الجديدة؟ فبقاء شيء منه قد يشير إلى استمرار الأصل. وهل أكل الرائي من الفاكهة الجديدة أم تركها؟ فالأكل قد يعني قبول التبدل. وهل كان معه أحد؟ وكلها قرائن ظنية لا ينبغي أن تُحمّل أكثر من طاقتها، ويبقى شعور الرائي هو الأصل.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يكون هذا الحلم تذكيراً بأن الحياة كثيرة التبدل، وأن النفع قد يأتي بصور شتى، وأن المرونة وتقبل الجديد من أسباب الراحة. ويدعو إلى الانفتاح على الاحتمالات وعدم التعلق بصورة واحدة من الرزق أو الراحة. ومن الحكمة أن يشكر الإنسان على ما يأتيه بأي صورة، وأن يتعلم من التغير بدل أن يخشاه.
وقد يكون الحلم أيضاً أثر مشهد في سوق أو بيت رأى فيه الرائي فواكه متنوعة فاختلطت صورها في ذهنه، فلا يحمل دلالة. وهذا شائع جداً في الأحلام، إذ تتداخل صور النهار في الليل. فلا ينبغي أن يُرهق الإنسان نفسه بالبحث عن معنى لكل صورة، وإن أحب أن يأخذ منها عبرة المرونة والشكر فهذا حسن ونافع.
ومما يحسن ذكره أن التحول في الأحلام ظاهرة معتادة لا تحمل بالضرورة معنى خاصاً، فالعقل في النوم يمزج الصور ويبدلها بحرية لا نعرفها في اليقظة. ولذلك قال بعض العقلاء إن الأولى أن يُنظر إلى الأثر الذي تركه الحلم في النفس لا إلى شكل التحول نفسه. فإن ترك فرحاً وانشراحاً فهو أقرب إلى الخير، وإن ترك ضيقاً فقد يكون من حديث النفس وما يجول فيها، فلا يضر صاحبه شيئاً إن أعرض عنه ولجأ إلى الدعاء.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو دراسة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فالأولى أن يقابل الرائي منامه بالدعاء وحسن الظن بالله، ويسأله الخير حيث كان، ثم يمضي في يومه مطمئناً.
