قد يرى الإنسان في منامه موزة طرية في يده ثم يجدها وقد قست وصارت كالحجر الصلب، فلا تُقشَّر ولا تُؤكل. وهو من الأحلام الغريبة التي يحار فيها صاحبها لغرابة التحول من اللين إلى الصلابة. ونقول من البداية إن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وإن هذه الصورة ليست نذير شر ولا مصيبة. وإنما هي مما يتأمله بعض المفسرين المتأخرين بحذر واحتمال، وكثير من الأحلام الغريبة لا يحمل دلالة معينة أصلاً.
والموز في الرؤى يُذكر رمزاً للرزق اللين السهل والنفع القريب والفاكهة الحلوة التي لا تحتاج إلى عناء. وأما الحجر فهو في عرف كثير من المفسرين رمز للصلابة والثبات والقسوة وأمر ثقيل لا يتحرك بسهولة. فإذا تحول اللين إلى حجر، فإن القراءة المتداولة أن أمراً كان ميسراً قد يحتاج إلى مجهود أكبر، أو أن في حياة الرائي أمراً يتطلب صبراً وثباتاً. وقد يُفهم منه أيضاً أن ما ظنه الرائي سهلاً قد يكون أصعب مما توقع، وهذا معنى تنبيه لا تخويف.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الحجر في المنام قد يدل على رجل شديد أو قلب قاسٍ أو متاع ثابت، بحسب هيئته وحال الرائي، وأن تحول الشيء إليه قد يُفسَّر بصلابة صاحبه. وذهب بعض من جاء بعده إلى أنه قد يشير إلى ثبات ودوام. والواجب أن يُقال إن الموز نفسه قليل الذكر في أقدم كتب التعبير مقارنة بالتمر والعنب والتين، وإن هذه القراءات قياس عن المتأخرين، ولا يصح أن يُنسب إلى الأوائل ما لم يقولوه، وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً.
ويتغير المعنى بتغير الأحوال. فإذا كان الحجر نظيفاً جميل اللون والرائي هادئاً، فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر الذي كان هشاً صار أثبت وأمتن. وإن كان الحجر ثقيلاً أتعب الرائي، فقد يعني حملاً ثقيلاً من المسؤولية. وإن حاول كسره فلم يستطع، فقد يدل على أمر يحتاج إلى وقت وصبر وطرق مختلفة. وإن أعاد الحجر موزاً بعد قليل فقد يُفهم منه أن العسر عارض. فالنظر إلى مشاعر الرائي أقوى القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أن أمراً تنتظره يحتاج إلى مزيد من الصبر، أو أنها ستواجه موقفاً يتطلب ثباتاً. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى أمر في البيت أو في التعامل يحتاج إلى حزم لطيف لا إلى لين مطلق. وللحامل قد يعكس شعوراً بالثقل في هذه المرحلة، وهو شعور طبيعي ينتقل إلى الأحلام. وهذه كلها احتمالات لا يُقطع بها.
وللرجل قد يُقرأ الحلم على أن عملاً كان يظنه سهلاً صار أشد صعوبة، فعليه أن يستعين بالصبر والتخطيط. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة راكدة أو صفقة تعطلت، ويحتاج الأمر إلى دراسة. وللطالب قد يعني مادة صعبة تحتاج إلى مثابرة. وفي كل ذلك لا يصح أن يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل، فهو صورة رمزية قد تكون من حديث النفس، ويبقى الاعتماد على الواقع والتجربة والاستشارة.
ومن التفاصيل التي ينظر فيها المفسرون: كيف تم التحول؟ فجأة أم بالتدريج؟ فالتدريج قد يشير إلى تغير بطيء في حال، والفجائي إلى مفاجأة. وهل تحولت الموزة كلها أم قشرتها؟ وهل بقيت على شكلها أم تغير؟ وهل شعر الرائي بالخوف أم بالاستغراب فقط؟ فالاستغراب البسيط أخف. وهل تدحرج الحجر أم بقي في مكانه؟ وكل هذه قرائن ظنية لا ينبغي أن يُبالغ في الاعتماد عليها.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يكون هذا الحلم تذكيراً بأن بعض الأمور تحتاج إلى جهد وصبر حتى تلين، وأن الصلابة قد تكون فضيلة في موضعها كما أن اللين فضيلة في موضعه. ويدعو إلى المرونة والتفكير في طرق جديدة حين تتعثر الأمور، وإلى عدم اليأس. ومن الحكمة أن يتعامل الإنسان مع الصعوبات الصغيرة بهدوء وخطوات متتابعة، ويطلب العون من أهله وأصحابه عند الحاجة.
وقد يكون الحلم أيضاً من تأثير مشهد أو حديث عابر أو فكرة في الذهن، ولا يحمل أي دلالة، وكثير من أحلامنا من هذا النوع. فلا ينبغي للإنسان أن يقلق من صور غريبة رآها في نومه، ولا أن يفتش فيها عن شؤم. وإن شعر بضيق فليدعُ ربه بما تيسر، وليتذكر أن هذه صورة عابرة، وأن حياته تُبنى على سعيه وعمله وحسن ظنه بالله.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فالأحرى أن يقابل الرائي منامه بالدعاء وحسن الظن بالله، ويسأله التيسير والخير، ثم يمضي في أمره صابراً مطمئناً.
