رؤية الإنسان يبكي عند الوداع في المنام مشهد يحمل تأثرًا بالانتقال من حال إلى حال. والرؤيا رمزية في أصلها، تتألف من مشاعر الرائي وأفكاره وما مرّ به في يومه، ولا تُعد خبرًا قاطعًا عن مستقبله. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء بوصفها إشارة إلى حال نفسية لا إلى حدث خارجي. وكثيرًا ما يستيقظ الإنسان من مثل هذه الرؤيا وفي صدره سؤال عن معناها، فيكفيه أن يعلم أنها تقبل أكثر من وجه. وما يأتي من تأويلات اجتهاد في فهم الرموز وليس قولًا فاصلًا.
البكاء في المنام يرمز إلى التنفيس عن المشاعر، وقد يدل على راحة بعد ضغط أو فرح متأثر أو حزن مكبوت. والوداع يرمز في الحياة العادية إلى سفر أو انتقال أو انتهاء مرحلة، فاجتماعه مع البكاء قد يعبر عن تعلق بما سيتغير. وقد يرمز إلى صعوبة في تقبل التغيير حتى حين يكون طبيعيًا. وقد يدل كذلك على امتنان لمن شاركوا الرائي مرحلة من حياته. وليس في هذه المعاني جزم، فالرمز يختلف باختلاف أحوال الرائي. وقد تكون الصورة أثرًا لموقف وداع حقيقي مرّ به الرائي أو شاهده.
نُسب إلى ابن سيرين أن السفر والانتقال في المنام يدل على تغير الحال من مرحلة إلى أخرى بحسب السياق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مشاهد المفارقة والتوديع في الرؤيا قد تعبر عن انتقال أحوال الرائي وعلاقاته. واختلف المفسرون في ذلك، فمنهم من حمل الوداع على تغير الأحوال، ومنهم من حمله على تعلق القلب بما اعتاده. وهذا الاختلاف يعني أن التأويل ظني ويرتبط بحال الرائي. ولا يُعتمد نقل واحد في تقديره. ويُطلب من الرائي أن يستحضر ما كان في نفسه حين رأى المشهد.
يتغير المعنى بحسب من يودعه الرائي ومكان الوداع، فإن كان يودع أهله فقد يعبر عن ارتباطه بهم وقلقه الطبيعي من البعد. وإن كان يودع صديقًا فقد يعبر عن قيمة الصحبة. وإن كان يودع مكانًا كبيت أو مدرسة أو عمل فقد يعبر عن انتهاء مرحلة. وإن كان هو المودَّع فقد يرمز إلى انتقاله إلى مرحلة جديدة. ويُنظر إلى مكان المشهد، فالمحطة والمطار يوحيان بانتقال، والبيت يوحي بتغير في الأسرة. وكل ذلك قرائن تقريبية.
وللمرأة العزباء قد يعكس الحلم تأثرها بقرب مرحلة جديدة كدراسة أو عمل أو زواج. وللمتزوجة قد يدل على تعلقها بأهلها وبيتها القديم أو على تفكيرها في تغيير يمر بأسرتها. وللأم قد يكون صدى لمشاعرها وهي ترى أولادها يكبرون ويبتعدون خطوة خطوة. وللحامل قد تزداد الحساسية فتظهر مشاهد الوداع والتأثر. وكل ذلك تأويل ظني يتعلق بنفس الرائية وحالها.
وللرجل قد يدل الحلم على تأثره بسفر قريب أو انتقال عمل أو تغير في مكان إقامته. وللشاب قد يعبر عن وداع مرحلة الدراسة أو السكن مع الأهل. وللأب قد يعكس مشاعره تجاه أولاده حين يكبرون. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأن التعلق بما مضى طبيعي وأن للانتقال جانبًا طيبًا أيضًا. ولا يلزم أن يكون وراء الصورة أمر خارجي.
وللطالب قد يعكس الحلم نهاية عام دراسي أو مرحلة كاملة وما يصاحبها من تأثر. وللموظف قد يعبر عن ترك زملاء أو انتقال إلى جهة أخرى. ولمن يستعد للسفر قد يظهر الحلم صدى مباشرًا لمشاعره. ولكبير السن قد يستدعي الحلم ذكريات وداعات كثيرة مرت به في حياته. وكلما قرب الحلم من تجارب الرائي كان فهمه من جهة النفس أولى.
من التفاصيل المؤثرة في التأويل كيفية الوداع، فالعناق الطويل يوحي بتعلق شديد، والمصافحة الهادئة توحي بتقبل. وإن وعد الرائي بلقاء قريب فقد يرمز ذلك إلى أن الصلة باقية رغم التغيير. وإن كان الوداع في ضباب أو مكان غير واضح فقد يرمز إلى حيرة من المستقبل. وإن كان هناك من يلوّح بيده من بعيد فقد يرمز إلى ارتباط يستمر مع البعد. وإن انتهى المشهد بابتسامة فذلك أقرب إلى معنى الرضا. وكلها إشارات تقريبية وليست أدلة قاطعة.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الاعتناء بالصلات القائمة، وإلى الاتصال بمن يحب والسؤال عنه. فمن الحسن أن يجد الإنسان من يتكلم معه بثقة عمّا يثقل صدره. ويفيد تنظيم النوم والراحة وتخفيف الضغوط اليومية، والاستعداد الهادئ للتغييرات المنتظرة. ويمكن أن يكتب الرائي ما يشعر به ليفهمه أكثر. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا دام الضيق فطلب الدعم من مختص أو أحد الأهل خطوة مناسبة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء، فلا يُبنى عليه خوف ولا أمل مقطوع به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو العليم بما في الصدور. ويحسن بالرائي أن يدعو بالسكينة وراحة البال وأن يحسن الظن بربه. وفي حسن الظن بالله طمأنينة تخفف ثقل الأفكار. وبذلك يمضي الإنسان في يومه بهدوء وثقة.
