قد يرى الإنسان في منامه أنه يبكي في الليل، والظلام يحيط به والسكون يملأ المكان. وتأتي هذه الرؤيا بإحساس خاص، لأن الليل في الذاكرة الإنسانية وقت الخلوة والتأمل والصدق مع النفس. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن الليل فيها لا يدل على شيء مخيف. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف أحوال الناس. وسيعرض هذا المقال ما قيل فيها بهدوء ودون جزم.
الليل في الأحلام قد يرمز إلى الهدوء والخلوة، وإلى الوقت الذي يخلو فيه الإنسان بنفسه بعيدًا عن الأصوات والمشاغل. وحين يقترن بالبكاء فقد يعبّر عن تنفيس يحتاجه الرائي بعد يوم طويل. وقد يرمز كذلك إلى مشاعر لا تظهر في النهار لانشغال الإنسان، فتخرج في صورة دموع حين يسكن كل شيء. وقد يكون الليل في الحلم مجرد خلفية تعكس وقت النوم الحقيقي. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء في الخلوة قد يدل على ارتياح بعد ضيق، وأن الدموع الهادئة أقرب إلى معاني الصفاء. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الليل يرتبط بالتأمل وبمراجعة النفس، فيكون البكاء فيه أقرب إلى الصدق الداخلي. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد إخبارًا بشيء. وهي في أحسن أحوالها استئناس يُنظر معه إلى حال الرائي. ولذلك لا يُبنى عليها يقين.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدموع حين تأتي في سكون الليل قد تدل على تخفف الرائي من هم كتمه نهارًا. ومن المفسرين من رأى أن الظلام في الحلم قد يعبّر عن غموض في أمر ما، وأن البكاء فيه يعبّر عن حاجة إلى وضوح وطمأنينة. وتختلف الآراء في هذا الباب، فبعضها يميل إلى الاستبشار وبعضها إلى التريث. والاختلاف نفسه يدعو إلى عدم التسرع. ويبقى المعتبر حال الرائي وما يمر به.
ويؤثر السياق في المعنى، فالبكاء في ليل هادئ مقمر قد يوحي بصفاء وتأمل، وفي ليل مظلم موحش قد يوحي بشعور بالوحدة أو القلق. ويهم مكان الرائي، فإن كان في بيته على فراشه فقد يرتبط الحلم بما يشغله قبل النوم، وإن كان في طريق أو مكان مفتوح فقد يرتبط بتساؤلات أوسع عن حياته. ويهم هل كان وحيدًا أم معه من يؤنسه. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى.
وإذا كان الرائي ممن يسهرون كثيرًا لعمل أو دراسة، فقد يكون المنام صدى لإجهاد السهر. وإذا كان بعيدًا عن أهله، فقد يرتبط الليل عنده بأوقات الحنين التي تشتد في السكون. وإذا كانت الرائية امرأة لا تجد وقتًا لنفسها إلا في آخر اليوم، فقد يعبّر البكاء الليلي عن حاجتها إلى فسحة تخلو فيها بنفسها. أما من يقلق عند النوم فقد يظهر عنده هذا المنام تعبيرًا عن أفكار الليل. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي مظهر الليل، هل كان صافيًا أم غائمًا، وهل كان القمر أو الأضواء ظاهرة. وينفع أن يتذكر الأصوات المحيطة، فالسكون التام قد يوحي بحاجة إلى هدوء، والأصوات البعيدة قد توحي بشعور بالانفصال. وينفع أن يتذكر كيف انتهى المشهد، هل طلع الصباح أم بقي الليل. وقد يدوّن ما يتذكره ليعود إليه لاحقًا. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة حاسمة، فالغاية أن يفهم حاله بهدوء لا أن يستخرج معنى نهائيًا من صورة عابرة.
ومن الناحية النفسية، فالليل هو وقت تتضاعف فيه الأفكار والمشاعر عند كثيرين، لأن انشغالات النهار تخف ويبقى الإنسان مع نفسه. وقد تتسلل هذه الأفكار إلى الأحلام فتظهر في صورة بكاء ليلي. وهذا مألوف ولا يدل في ذاته على شيء مقلق. غير أن السهر الطويل وقلة النوم يزيدان الأمر ثقلًا، وتنظيم النوم من أفضل ما يخفف ذلك. وإذا استمر الحزن في الليل مدة طويلة فهو يستحق الالتفات.
وعمليًا، يفيد أن يهيئ الرائي لنفسه نومًا هادئًا، فيبتعد عن المحتوى المقلق قبل النوم ويخفف الأضواء والأصوات. ويفيد أن يتكلم مع شخص موثوق عما يشغل ليله. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الأرق أو الحزن المستمر يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب الدعم من حسن الاهتمام بالنفس.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالأحلام تتعدد أسبابها ولا يحيط بها أحد. والأولى أن يتلقى الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالطمأنينة وراحة البال. وما يحمله الغد من أمور لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في أيامه بقلب هادئ، وليمنح ليله نصيبه من الراحة. والله أعلم.
