رؤية الإنسان يبكي عند اللقاء في المنام مشهد دافئ يجمع بين الشوق والتأثر. والرؤيا رمزية في أصلها، تتألف من مشاعر الرائي وأفكاره وما مرّ به في يومه، ولا تُعد خبرًا قاطعًا عن مستقبله. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء بوصفها إشارة إلى حال نفسية لا إلى حدث خارجي. وكثيرًا ما يستيقظ الإنسان من مثل هذه الرؤيا وفي صدره سؤال عن معناها، فيكفيه أن يعلم أنها تقبل أكثر من وجه. وما يأتي من تأويلات اجتهاد في فهم الرموز وليس قولًا فاصلًا.
البكاء في المنام يرمز إلى التنفيس عن المشاعر، وقد يدل على راحة بعد ضغط أو فرح متأثر أو حزن مكبوت. واللقاء يرمز إلى القرب بعد البعد وإلى اجتماع ما تفرق، فاجتماعه مع البكاء قد يعبر عن فرح ممتزج بالتأثر. وقد يرمز إلى شوق مكتوم وجد طريقه إلى الظهور. وقد يدل كذلك على رغبة في تجديد صلة أو في لقاء من يحب. وليس في هذه المعاني جزم، فالرمز يختلف باختلاف أحوال الرائي. وقد تكون الصورة أثرًا لانتظار لقاء قريب أو لتذكر لقاء قديم.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللقاء في المنام قد يدل على الأنس والاجتماع بحسب الحال والسياق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مقابلة الأحباب في الرؤيا قد تعبر عن ما في القلب من مودة وحنين أكثر مما تعبر عن حدث خارجي. واختلف المفسرون في ذلك، فمنهم من حمل اللقاء على الأنس وطيب العلاقة، ومنهم من حمله على أمنية يتمناها الرائي. وهذا الاختلاف يعني أن التأويل ظني ويرتبط بحال الرائي. ولا يُعتمد نقل واحد في تقديره. ويُطلب من الرائي أن يستحضر ما كان في نفسه حين رأى المشهد.
يتغير المعنى بحسب من يلقاه الرائي، فإن كان من الأهل فقد يعبر عن اشتياق إليهم وحاجة إلى القرب، وإن كان صديقًا قديمًا فقد يعبر عن وفاء وحنين إلى أيام مشتركة. وإن كان شخصًا اختلف معه فقد يعبر عن رغبة في الصلح. وإن كان غريبًا فقد يرمز إلى بداية علاقة أو مرحلة جديدة. ويُنظر إلى مكان اللقاء، فالمحطة توحي بانتظار طويل، والبيت يوحي بالأمان. وكل ذلك قرائن تقريبية.
وللمرأة العزباء قد يعكس الحلم شوقها إلى أهلها أو صديقاتها، أو أمنيتها بعلاقة طيبة. وللمتزوجة قد يدل على اشتياقها إلى بيت أهلها أو إلى لقاء أخ أو أخت. وللأم قد يكون صدى لانتظارها لقاء أولادها بعد غياب. وللحامل قد تزداد الحساسية فتظهر مشاهد اللقاء والتأثر. وكل ذلك تأويل ظني يتعلق بنفس الرائية وحالها.
وللرجل قد يدل الحلم على شوقه إلى أهله أو أصحابه بعد انشغال طويل. وللشاب قد يعبر عن رغبته في لقاء من فرّقته عنه الظروف. وللأب قد يعكس انتظاره لقاء أبنائه بعد سفر أو دراسة. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأن للصلات حقها من السؤال والزيارة. ولا يلزم أن يكون وراء الصورة أمر خارجي.
وللطالب قد يعكس الحلم شوقه إلى أهله أو زملائه بعد أيام الدراسة. وللمغترب قد يعبر عن لهفة اللقاء بأهله وأرضه. ولمن ينتظر لقاءً قريبًا قد يظهر الحلم صدى مباشرًا لمشاعره. ولكبير السن قد يستدعي الحلم لقاءات قديمة جمعته بأحبابه. وكلما قرب الحلم من تجارب الرائي كان فهمه من جهة النفس أولى.
من التفاصيل المؤثرة في التأويل كيفية اللقاء، فالعناق الطويل يوحي بشوق شديد، والمصافحة الهادئة توحي بود معتدل. وإن كان اللقاء مفاجئًا فقد يرمز إلى مشاعر لم يتوقع الرائي ظهورها، وإن كان منتظرًا فقد يرمز إلى ترقب. وإن اختلط البكاء بالضحك فقد يرمز إلى فرح متأثر. وإن كان الجميع حاضرين فقد يرمز إلى رغبة في اجتماع الأسرة. وإن انتهى المشهد بجلوس هادئ فذلك أقرب إلى معنى الأنس. وكلها إشارات تقريبية وليست أدلة قاطعة.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الاتصال بمن يشتاق إليه الرائي والسؤال عنه. فمن الحسن أن يجد الإنسان من يتكلم معه بثقة عمّا يثقل صدره. ويفيد تنظيم النوم والراحة وتخفيف الضغوط اليومية. ويمكن أن يكتب الرائي ما يشعر به ليفهمه أكثر. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا دام الضيق فطلب الدعم من مختص أو أحد الأهل خطوة مناسبة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء، فلا يُبنى عليه خوف ولا أمل مقطوع به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو العليم بما في الصدور. ويحسن بالرائي أن يدعو بالسكينة وراحة البال وأن يحسن الظن بربه. وفي حسن الظن بالله طمأنينة تخفف ثقل الأفكار. وبذلك يمضي الإنسان في يومه بهدوء وثقة.
