قد يرى الإنسان في منامه أنه يبكي في المدرسة، بين الصفوف والممرات والمقاعد، فيستيقظ وقد عادت إليه مشاعر قديمة أو حاضرة. وهذه الرؤيا تتكرر عند كثيرين، سواء كانوا لا يزالون طلابًا أو مضت سنوات طويلة على تخرجهم. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن المدرسة فيها لا تدل على حدث في الواقع. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف أحوال الناس. وسيعرض هذا المقال ما قيل فيها بهدوء ودون جزم.
المدرسة في الأحلام ترمز في الغالب إلى التعلم والاختبار والمرور بمراحل من الحياة، وإلى الانضباط والتقييم. وحين يقترن بها البكاء فقد يعبّر عن ضغط الاختبارات أو الخوف من التقصير أو الحاجة إلى تقدير. وقد يعبّر لدى الكبار عن حنين إلى زمن الطفولة أو عن مشاعر لم تُحل منذ تلك الأيام. وقد تكون الرؤيا أيضًا صدى لموقف تعليمي أو تدريبي يمر به الرائي في حاضره. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن العلم والتعلم في المنام يرتبطان بأحوال الإنسان في سعيه، وأن البكاء في موضع التعلم قد يدل على حساسية صاحبه وحرصه على الإتقان. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الدموع في هذا الموضع قد تشير إلى ارتياح بعد جهد. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد إخبارًا بشيء. وهي في الجملة استئناس يُضم إلى ما يعرفه الإنسان عن نفسه. ولذلك لا يُبنى عليها يقين.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البكاء في مكان الدرس قد يعبّر عن همّ يتعلق بمسار الرائي في تحصيله، وإلى أن حال الصف من هدوء أو ضجيج تضيف إلى المعنى. ومن المفسرين من رأى أن المدرسة في المنام قد تكون رمزًا لمراحل التهذيب والتجربة التي يمر بها الإنسان في حياته. وتختلف الآراء هنا، فبعضها يميل إلى التفاؤل وبعضها إلى الحذر. والاختلاف نفسه يدعو إلى عدم الاستعجال. ويبقى المعتبر حال الرائي وما يمر به.
ويؤثر السياق في المعنى، فالبكاء في الصف أثناء الدرس قد يوحي بضغط التحصيل أو بخوف من السؤال، وفي الفناء وقت الاستراحة قد يوحي بشعور بالوحدة بين الأقران. ويهم هل كان المعلم قريبًا يواسي أو بعيدًا يوبخ، فالمواساة قد تعكس حاجة إلى سند والتوبيخ قد يعكس خوفًا من النقد. ويهم هل كان الرائي بعمره الحالي أو بعمر صغير. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى. وليس في ذلك اتهام لأحد.
وإذا كان الرائي طالبًا فعلًا، فقد يعكس المنام ضغط الدراسة والاختبارات والمقارنة بالزملاء. وإذا كان قد تخرج منذ زمن، فقد يعبّر عن حنين إلى الأيام الماضية أو عن ذكريات لم تُحسم. وإذا كان معلمًا أو والدًا، فقد يرتبط بالمسؤولية تجاه الصغار وحرصه عليهم. أما من يمر بدورة تدريبية أو مرحلة تعلم جديدة فقد يظهر عنده هذا المنام أثرًا لتلك التجربة. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي ما كان يجري حوله، هل هو اختبار أم درس أم استراحة، وما حال الصف وعدد من فيه. فالاختبار قد يوحي بقلق التقييم، والاستراحة قد توحي بحاجة إلى الأنس. وينفع أن يتذكر هل كان يعرف الوجوه أم هي وجوه غريبة. وقد يدوّن ما يتذكره ليعود إليه لاحقًا. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة قاطعة.
ومن الناحية النفسية، فأحلام المدرسة من أكثر الأحلام شيوعًا، وتتكرر عند كثير من البالغين بصورة ضغط واختبار وخوف من التقصير. وهي في الغالب تعبير عن توتر الحاضر في لغة الماضي المألوفة. وهذا مألوف ولا يدل على شيء مقلق. غير أن الخوف الشديد من الاختبارات أو الحزن المرتبط بالدراسة مدة طويلة يستحق الالتفات. والكلام مع من يثق به الإنسان يخفف الكثير.
وعمليًا، يفيد أن ينظم الرائي وقته ومذاكرته، وأن يمنح نفسه فترات راحة ونومًا كافيًا. ويفيد أن يتكلم مع شخص موثوق من أهله أو أساتذته عما يثقله. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الحزن المستمر أو القلق الدراسي الذي يطول يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب الدعم من حسن التدبير وليس تقصيرًا.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالأحلام لا تُقرأ قراءة قاطعة ولا يحيط بها أحد. والأولى أن يتلقى الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالتوفيق والطمأنينة في دراسته وأيامه. وما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في تعلمه بقلب مطمئن، وليأخذ من الراحة نصيبًا. والله أعلم.
