قد يرى الإنسان في منامه أنه يبكي في مكان عمله، بين زملائه ومكتبه وأوراقه، فيستيقظ وفي نفسه إحساس بالحرج أو بالثقل. وهذه الرؤيا مألوفة عند من يتحمل ضغوطًا مهنية، لأن العمل يشغل جزءًا كبيرًا من الوقت والفكر. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن ما يظهر فيها لا يدل على حدث في الواقع ولا يتعلق بشخص محدد. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف أحوال الناس. وسيعرض هذا المقال ما قيل فيها بهدوء.
مكان العمل في الأحلام يرمز عادة إلى المسؤوليات والجهد والسعي، وإلى مكانة الإنسان بين من يعمل معهم. وحين يقترن بالبكاء فقد يعبّر عن إرهاق متراكم لم يجد وقتًا للتعبير في بيئة لا تسمح بإظهار الضعف. وقد يدل على رغبة في التقدير أو في أن يُرى الجهد المبذول. وقد يكون أيضًا صدى لموقف مهني مر في الأيام الماضية وترك أثرًا في النفس. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن العمل في المنام يدل على سعي الإنسان وأحواله في معاشه، وأن البكاء فيه قد يشير إلى ثقل أعباء تعقبه راحة. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الدموع في موضع الجد قد تعبّر عن رقة القلب وصدق المشاعر، لا عن ضعف. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد إخبارًا بشيء. وهي في الجملة استئناس يُضم إلى ما يعرفه الإنسان عن عمله. ولذلك لا يُبنى عليها يقين.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدموع في مكان الكسب قد تدل على همّ يتصل بالمعاش وتخفف منه بعد حين، وإلى أن حال المكان من اتساع وضيق تضيف إلى المعنى. ومن المفسرين من رأى أن ظهور الدموع أمام الزملاء قد يعبّر عن حاجة إلى دعم وتفهم من البيئة المحيطة. وتختلف الآراء هنا، فبعضها يميل إلى التفاؤل وبعضها إلى الحذر. والاختلاف نفسه يدعو إلى عدم الاستعجال. ويبقى المعتبر حال الرائي وما يمر به.
ويؤثر السياق في المعنى، فالبكاء على المكتب وحيدًا قد يوحي بضغط يُحمل بصمت، وفي اجتماع أمام الزملاء قد يوحي بخوف من التقييم أو من الظهور بمظهر العاجز. ويهم هل كان الزملاء يواسون الرائي أم يتجاهلونه، فالمواساة قد تعكس حاجة إلى بيئة داعمة والتجاهل قد يعكس شعورًا بالإهمال. ويهم هل كان السبب ظاهرًا كمهمة أو مراجعة أو غامضًا. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى. وليس في ذلك اتهام لأحد من الزملاء أو المسؤولين.
وإذا كان الرائي موظفًا جديدًا، فقد يعكس المنام قلق التأقلم وخوف الخطأ. وإذا كان صاحب عمل أو مسؤولًا عن فريق، فقد يعبّر عن ثقل القرارات والأعباء. وإذا كانت الرائية امرأة تجمع بين عملها وبيتها، فقد يدل على إرهاق مضاعف لا تجد له استراحة. أما الطالب أو المتدرب فقد يرتبط الحلم عنده بضغط التقييم والاختبارات. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي ما كان يفعله قبل البكاء، هل كان يعمل أو يستمع أو يُوجَّه إليه كلام. وينفع أن يتذكر الأوراق والأجهزة والأصوات المحيطة، فهي تعطي المشهد ملامح الضغط الذي يعيشه. وينفع أن يتذكر هل استطاع إكمال عمله بعد البكاء. وقد يدوّن ما يتذكره ليعود إليه حين يهدأ. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة حاسمة.
ومن الناحية النفسية، فبيئة العمل من أكثر مصادر التوتر في حياة الناس، وقد تظهر ضغوطها في الأحلام في صور مختلفة منها البكاء. وكثرة المهام والمواعيد وقلة الراحة تغذي هذه الأحلام. وهذا مألوف ولا يدل على شيء مقلق. غير أن الإرهاق المهني المتواصل أو الحزن المرتبط بالعمل مدة طويلة يستحق الالتفات. وتنظيم الوقت وطلب المساندة من أفضل ما يخفف.
وعمليًا، يفيد أن يتكلم الرائي مع شخص موثوق عما يثقله في عمله، وأن ينظم وقته ومهامه بما يحفظ له قسطًا من الراحة. ويفيد أن يخصص بعد العمل وقتًا لما يريحه. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الحزن المستمر أو الإرهاق المهني الذي يطول يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب الدعم من حسن التدبير.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالأحلام لا تُقرأ قراءة قاطعة ولا يحيط بها أحد. والأولى أن يتلقى الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالتوفيق والطمأنينة في عمله وأيامه. وما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في عمله بقلب مطمئن، وليحفظ لنفسه من الراحة نصيبًا. والله أعلم.
