يرى بعض الناس في منامهم دموعًا باردة تنساب على الوجه، فيشعرون ببرودتها ويستيقظون وهم يتساءلون عن معناها. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتألف من المشاعر والأفكار اليومية، وليست خبرًا مؤكدًا عما سيقع. لذلك يُقرأ التفسير بوصفه اجتهادًا يقرّب المعنى ولا يقطع به. وهذا المشهد يجمع بين رمز البكاء ورمز البرودة. وفي هذا العرض الهادئ ما يساعد على فهمه دون تهويل.
البكاء في رموز المنام يشير في الغالب إلى التنفيس وإخراج ما يثقل الصدر من مشاعر. أما برودة الدمع فقد تكون في نظر بعضهم تعبيرًا عن مشاعر مكتومة أو متعبة لم تجد الدفء الكافي. وقد ترمز إلى هدوء بعد انفعال، كما تبرد الأشياء بعد حرارة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالبرودة قد تكون مجرد إحساس جسدي دخل في الحلم. والمعوّل عليه هو الإحساس الذي يبقى بعد الاستيقاظ.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء الهادئ الخالي من الصراخ يُحمل على التخفف من الهم، وأن الصراخ يستدعي نظرًا مختلفًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدمع قد يدل على انشراح بعد ضيق إذا لم يقترن بنواح. وهذه الأقوال في أصلها عن البكاء عمومًا لا عن برودة الدمع، ولذلك يُستأنس بها استئناسًا عامًا ولا يُبنى عليها تفصيل. وتختلف أنظار أهل التعبير في التفصيل، فمنهم من يغلّب جانب الفرح ومنهم من يغلّب جانب التنفيس. وكل ذلك اجتهاد لا يرقى إلى اليقين.
يتأثر المعنى بسياق الحلم كله، فالدمع البارد في مكان هادئ غير الدمع البارد في مكان موحش. وإذا أعقبته راحة وهدوء فهذا أقرب إلى معنى التنفيس الهادئ، وإذا أعقبه ثقل فقد يكون في النفس شعور لم يكتمل التعبير عنه. ومن القرائن حال الجو في الحلم، أهو شتاء أم هواء بارد، وهل كان الرائي مكشوفًا أم ملتحفًا. وقد تكون البرودة أثرًا لغرفة باردة أو لغطاء خفيف لا أكثر. وكل قرينة تضيف ظلًا صغيرًا إلى الصورة العامة.
يعرف الناس أن الدمع قد يبرد على الخد بعد دقائقه الأولى، وأن للبرودة إحساسًا مميزًا يوقظ النائم أحيانًا. وقد تأتي برودة الدمع في المنام صورة لتعب طويل أو لحاجة إلى الدفء والأنس، وقد تشير عند بعضهم إلى مشاعر مرت عليها أيام وبردت. وقد تكون في المقابل مجرد انعكاس لحرارة الغرفة. وليس في الحلم إخبار بشيء سيحدث، وإنما هو انعكاس رمزي لحال النفس. ويبقى للرائي أن ينظر في شعوره بعد الاستيقاظ.
وإذا كان الدمع البارد بين الأهل فقد يُقرأ ذلك على أنه حاجة إلى مزيد من القرب والدفء. وإذا كان وحده فقد يعبّر عن تنفيس هادئ أو عن وحشة تبحث عن أنس. وإذا كان في مكان عام فربما أشار إلى رغبة في إخفاء المشاعر. أما إذا أعقبه دفء أو ابتسامة فيميل كثيرون إلى فهمه على أنه انتقال من الضيق إلى الراحة، مع بقاء ذلك احتمالًا لا جزمًا. وكل رؤيا لها خصوصيتها.
من التفاصيل المهمة هل كانت البرودة على الخدين فقط أم في الجسد كله، وهل رافقها إحساس بالراحة أم بالانقباض. وهل ظهر في الحلم من يواسيه أو يغطيه، فقد يرمز ذلك إلى حاجة إلى سند في اليقظة. وإذا كان المكان مألوفًا فهو يوحي بالأمان، وإذا كان غريبًا فقد يوحي بالحيرة. كما أن الإحساس بعد الاستيقاظ، خفة أو ثقلًا، من أهم القرائن. وليست هذه التفاصيل قاطعة، وإنما إشارات تساعد على فهم الجو العام.
من الناحية النفسية، قد يتأثر الحلم بحرارة الغرفة وخفة الغطاء، فتدخل البرودة في صور الحلم دون معنى عميق. وقد يظهر الدمع البارد حين تكون النفس في حاجة إلى الدفء والأمان. ويفيد أن يهيئ الرائي لنفسه نومًا مريحًا وغرفة معتدلة، وأن يتكلم مع شخص يثق به عما يشغله. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، فإن استمر الضيق أو القلق أيامًا طويلة فالأولى استشارة مختص نفسي. وفي العناية بالنفس ما يغني عن كثير من التأويل.
ولا ينبغي للرائي أن يحمّل هذا الحلم أكبر من حجمه، فالإحساس البارد قد يكون مجرد أثر عابر للنوم. وإن تكرر الحلم فقد يكون إشارة داخلية إلى حاجة تستحق الإصغاء كالأنس والدفء. ومن الحسن أن يستقبل المشهد بهدوء دون أن يبني عليه توقعات. وأن يحيط نفسه بصحبة طيبة تمنحه الدفء الإنساني. وبهذا يتحول الحلم إلى مناسبة للتأمل الهادئ بدل الانشغال به.
ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقوم مقام اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يُحسن الظن به في كل أحواله. وإذا شغله الحلم فليصرفه عن باله بالذكر الطيب والعمل النافع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
