رؤية الإنسان نفسه يواسي شخصًا يبكي في المنام تحمل طابعًا لطيفًا يوحي بالعطف والاحتواء. والرؤيا رمزية في أصلها، تتألف من مشاعر الرائي وما يعيشه من علاقات ومواقف، ولا تُعد خبرًا قاطعًا عن أحد. ولذلك لا يصح أن يُفهم من الحلم أن الشخص الذي تمت مواساته في ضيق حقيقي أو أن أمرًا سيحدث له. وإنما يُقرأ على أنه صورة لما في نفس الرائي من رحمة واستعداد لمساندة غيره.
البكاء في المنام يرمز إلى التنفيس عن المشاعر، وقد يدل على راحة بعد ضغط أو فرح متأثر أو حزن مكبوت. وحين يقترن بالمواساة فإن الرمز يتسع إلى معاني الإصغاء والاحتواء وتخفيف الثقل عن القلوب. وقد تعكس المواساة في الحلم حاجة الرائي نفسه إلى من يواسيه، فيمثل ما يقدمه لغيره ما يتمنى أن يتلقاه. وقد تعكس كذلك طبعًا حنونًا في صاحب الرؤيا يحب أن يكون عونًا. وليس في هذه المعاني جزم، فالرمز يتبدل بتبدل حال صاحبه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الإحسان إلى الناس والتخفيف عنهم في المنام يدل على حسن الخلق وطيب العلاقة بينهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أفعال الرائي تجاه الآخرين في الرؤيا قد تعبر عن صفات في نفسه أو عن نيات يحملها. واختلف المفسرون في التفاصيل، فمنهم من ربط المواساة بالقرب من الناس، ومنهم من ربطها بحاجة الرائي إلى المواساة. وهذا الاختلاف يجعل التأويل ظنيًا ويدعو إلى التريث. ولا يُجعل نقل واحد مرجعًا وحيدًا.
يتغير المعنى بحسب من كان الباكي وكيف كانت المواساة. فإن كان الباكي معروفًا فقد يعبر الحلم عن مودة الرائي وحرصه عليه، وإن كان غريبًا فقد يعبر عن اتساع قلبه للناس عمومًا. وإن واساه بالكلام الهادئ فهذا يوحي بالتروي والاتزان، وإن واساه باحتضان أو مسح على الكتف فهذا يوحي بالحنان المباشر. وإن عجز عن المواساة أو لم يجد ما يقوله فقد يعبر ذلك عن رغبة في المساعدة لا يعرف سبيلها. وكل ذلك قرائن تقريبية.
وللمرأة العزباء قد يعكس الحلم رقة قلبها واستعدادها لأن تكون سندًا لغيرها. وللمتزوجة قد يدل على دورها المعتاد في إصلاح البيت وتهدئة من حولها. وللأم قد يكون صدى لما تقوم به يوميًا من احتواء الصغار. وللحامل قد تزداد الحساسية فتظهر مشاهد العطف في المنام بصورة أوضح. وكل ذلك تأويل ظني يتعلق بنفس الرائية.
وللرجل قد يدل الحلم على رغبته في أن يكون عونًا لمن يحب، وفي إظهار جانب حنون قد لا يُظهره دائمًا. وللشاب قد يعبر عن استعداد لتحمل المسؤولية تجاه أصدقائه وأهله. وللأب قد يعكس دوره في تهدئة أبنائه وأسرته. وقد يكون الحلم أحيانًا إشارة إلى أن الرائي نفسه يحتاج إلى من يواسيه، وإن لم يصرح بذلك. ولا يلزم من ذلك أن في الأمر خبرًا خارجيًا.
وللعامل في خدمة الناس كالمعلم أو الطبيب أو المرشد قد يكون الحلم انعكاسًا لعمله اليومي وما يسمعه من هموم الناس. وللطالب قد يعبر عن رغبته في مساعدة زميل متعثر. ولمن مرّ بتجربة مماثلة لتجربة الباكي قد يظهر الحلم صورة لتعاطفه الصادق. ولكبير السن قد يستدعي الحلم خبرته في مواساة الآخرين على مر السنين. وكلما قرب الحلم من تجارب الرائي العاطفية كان فهمه من جهة النفس أولى.
من التفاصيل المؤثرة في التأويل استجابة الباكي لمواساة الرائي، فإن هدأ وشكر فذلك أقرب إلى معنى الارتياح المتبادل. وإن بقي يبكي فقد يرمز ذلك إلى أن الأمر يحتاج إلى وقت وصبر وإلى إنصات أطول. ويُنظر إلى مكان المشهد، فالبيت يوحي بالأسرة، والعمل يوحي بالزملاء، والطريق يوحي بلقاءات عابرة. ويُنظر إلى هيئة الرائي، هل كان هادئًا أم متوترًا أثناء المواساة. وكلها إشارات تقريبية وليست أدلة قاطعة.
ومن الناحية العملية يمكن أن يكون الحلم تذكيرًا بأهمية الإصغاء الحقيقي لمن حول الرائي. ولا بأس أن يسأل الرائي عن أحوال من يحب بلطف. وإن بقي أثر الحلم في القلب فالكلام مع شخص موثوق يخفف ما فيه. ويفيد أن يعتني الرائي بنفسه كما يعتني بغيره، فمن يواسي كثيرًا يحتاج إلى راحة. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا دام الضيق فطلب الدعم من مختص أو أحد الأهل خطوة مناسبة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، فلا يُجعل سببًا للجزم بشيء عن أحد. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو العليم بما في الصدور. ويحسن بالرائي أن يدعو لنفسه ولمن يواسيهم بالسكينة وراحة البال. وفي حسن الظن بالله طمأنينة تخفف ثقل الأفكار. وبذلك يتحول الحلم إلى باب للرحمة والمودة لا إلى باب للقلق.
