من الرؤى الغريبة اللطيفة أن يرى الإنسان في منامه أنه يبكي من الدهشة، كأن مشهدًا مفاجئًا هز مشاعره فنزلت دموعه دون سابق استعداد. وتترك هذه الرؤيا انطباعًا خاصًا لأن الدهشة فيها تسبق الحزن والفرح معًا. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن ما يظهر فيها من صور لا يُقرأ قراءة حرفية. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف الأحوال. وسيعرض هذا المقال أبرز الاحتمالات بهدوء ودون جزم.
الدهشة في الأحلام ترتبط عادة بحدث غير متوقع أو بمشهد يفاجئ الرائي ويفوق ما كان يظنه. وحين تقترن بالبكاء فقد تعبّر عن تأثر شديد لم يجد الإنسان له كلمات، فكان الدمع أقرب وسيلة للتعبير. وقد ترمز إلى انفتاح الرائي على مشاعر جديدة أو على تجربة لم يألفها. وقد تكون أيضًا صدى لخبر أو موقف في اليقظة أحدث عنده وقعًا مفاجئًا. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الدموع تتبع في المنام حال القلب، فإن كانت مصحوبة بسرور مفاجئ مالت إلى معاني الارتياح، وإن كانت مصحوبة بحيرة مالت إلى معاني التفكر. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الدهشة في الحلم تدل على تعلق القلب بأمر لم يكن في الحسبان. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد وعدًا بشيء. وهي في أحسن أحوالها استئناس يُنظر معه إلى ما يعرفه الرائي عن نفسه. ولذلك لا يُبنى عليها تصور جازم.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البكاء الذي يعقب مفاجأة قد يدل على مشاعر ممتزجة، فيها فرح وتأثر ورهبة من الجديد. ومن المفسرين من رأى أن الدهشة تعكس حاجة الرائي إلى ما يكسر رتابة أيامه. وتختلف الآراء في هذا الباب، فبعضها يميل إلى الاستبشار وبعضها إلى التريث. والاختلاف نفسه يدعو إلى عدم التسرع في ربط الرؤيا بنتيجة. ويبقى المعتبر حال الرائي وما يمر به.
ويؤثر السياق في المعنى، فالدهشة من مشهد جميل، كمنظر طبيعي أو لقاء مفاجئ، قد توحي بانفتاح نفسي على الجمال والراحة. أما الدهشة من مشهد غامض أو غريب فقد توحي بحيرة أو ترقب. ويهم هل كان الرائي يعرف سبب دهشته أم لا، فالسبب المجهول قد يعبر عن شعور عام بالانتظار. ويهم شعوره عند الاستيقاظ، هل بقي دفء أو حيرة. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى.
وإذا كان الرائي شابًا في بداية مرحلة جديدة، فقد تعكس الرؤيا ترقبه لما لم يعرفه بعد. وإذا كان موظفًا يمر بتغيير في عمله، فقد ترتبط بما يحمله التغيير من مفاجآت. وإذا كانت الرائية امرأة اعتادت نمطًا ثابتًا من الأيام، فقد يكون المنام تعبيرًا عن توق إلى شيء جديد. أما الطالب فقد ترتبط الدهشة عنده بما يتعلمه ويكتشفه. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي ما الذي أدهشه، وهل كان صورة أو كلمة أو شخصًا، وكيف كانت ملامحه حين بكى. فاتساع الدهشة مع الابتسام قد يوحي بسرور وتأثر، والدهشة الممزوجة بالحيرة قد توحي بتساؤل داخلي. وينفع أن يتذكر الألوان والأصوات والمكان، فهي تعطي المشهد بعده. وقد يكتب ما يتذكره ليعود إليه لاحقًا. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة قاطعة.
ومن الناحية النفسية، تأتي أحلام الدهشة غالبًا بعد أيام غنية بالأحداث أو بعد تعرض الإنسان لمعلومة أو مشهد جديد. والعقل يحاول في النوم استيعاب ما مر به، فيبالغ في الانفعال أحيانًا. وهذا من الأمور المألوفة ولا يدل على شيء مقلق. وإذا أحس الرائي أن الدهشة تحولت إلى توتر في اليقظة، فقد يفيده الكلام مع من يثق به. والتعبير عن المشاعر أنفع من كتمانها.
وعمليًا، يمكن أن يغتنم الرائي هذا الشعور في الانتباه إلى الجمال البسيط من حوله، وفي منح نفسه وقتًا للهدوء والتأمل. والكلام مع شخص موثوق عن الأفكار الجديدة يفتح للنفس آفاقًا. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الحزن المستمر أو القلق الذي يطول يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. والعناية بالنوم والراحة تحفظ للنفس صفاءها.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فلا يملك أحد أن يجعل من منام خبرًا عما سيكون. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالطمأنينة وصلاح الأحوال. وما تخبئه الأيام القادمة لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في يومه مطمئنًا، آخذًا بما يستطيع من سعي وتأمل. والله أعلم.
