رؤية مجموعة من الناس يبكون في المنام مشهد يحمل أثرًا عاطفيًا كبيرًا، لأن البكاء حين يكون جماعيًا يوحي بشعور مشترك. والرؤيا رمزية في أصلها، تتألف من خواطر الرائي ومشاعره وما رآه في يومه، ولا تُعد خبرًا قاطعًا عن أحد. ولذلك لا يصح أن يُفهم من المشهد أن سوءًا سيصيب أولئك الناس أو أن حدثًا عامًا يقترب. وإنما يُقرأ على أنه صورة لما يدور في نفس الرائي من إحساس بالآخرين وبما يشغله من أمور عامة.
البكاء في المنام يرمز إلى التنفيس عن المشاعر، وقد يدل على راحة بعد ضغط أو فرح متأثر أو حزن مكبوت. وحين يبكي جمع من الناس فقد يعبر ذلك عن شعور الرائي بأن مشاعره مشتركة مع غيره، وأنه ليس وحده فيما يشغله. وقد يرمز إلى حاجة إلى الانتماء والمشاركة وإلى صدق الإحساس بالجماعة. وقد يكون كذلك صدى لمشهد رآه الرائي في الواقع أو على الشاشة قبل نومه. وليس في هذه المعاني جزم، فالرمز يتبدل بتبدل حال صاحبه.
نُسب إلى ابن سيرين أن اجتماع الناس في المنام على حال واحدة قد يدل على شعور مشترك أو أمر يشغل الكثيرين، ويُقدَّر ذلك بحسب الحال والمكان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أحوال الجماعة في الرؤيا قد تعبر عن أحوال الرائي في بيئته وعلاقاته. واختلف المفسرون في التفاصيل، فبعضهم أخذ بالمعنى الاجتماعي، وبعضهم أخذ بالمعنى النفسي القريب. وهذا الاختلاف يجعل التأويل ظنيًا ويدعو إلى التريث. وأقرب ما يُقال هنا أن السياق وحال الرائي هما الأساس لا النقل المجرد.
يتغير المعنى بحسب نوع المكان وهيئة الناس. فإن كانوا في مكان مفتوح كساحة أو طريق فقد يوحي ذلك بإحساس عام يشغل الرائي، وإن كانوا في بيت أو قاعة فقد يوحي بجماعة قريبة كالأسرة أو الزملاء. ويُنظر إلى وجود الرائي بينهم، هل يبكي معهم أم يشاهدهم من بعيد. فمن بكى معهم فذلك أقرب إلى المشاركة الوجدانية، ومن شاهدهم من بعيد فقد يعبر عن شعور بالانفصال أو الحيرة. وإن كان بكاؤهم هادئًا ثم تلاه سكون فهذا أقرب إلى الراحة المشتركة.
وللمرأة العزباء قد يعكس الحلم حساسيتها لما حولها واهتمامها بمشاعر من تعرفهم. وللمتزوجة قد يدل على انشغالها بأحوال الأسرة الكبيرة والجيران والأقارب. وللأم قد يكون صدى لما تسمعه من أخبار الأهل والمعارف. وللحامل قد تزداد الحساسية فتظهر مشاهد التأثر الجماعي. وكل ذلك تأويل ظني يتعلق بنفس الرائية وحالها.
وللرجل قد يرمز المشهد إلى شعوره بالمسؤولية نحو من حوله، أو إلى اهتمامه بشأن عام يتابعه. وللشاب قد يعبر عن رغبة في الانتماء إلى جماعة يشعر بينها بالأمان. وللعامل قد يعكس الحلم أجواء مكان عمله وضغوط الزملاء المشتركة. وقد يكون الحلم كذلك نتيجة متابعة أخبار أو مشاهد مؤثرة دون أن يشعر الرائي. وكلها احتمالات لا تعدو أن تكون قراءة رمزية.
وللطالب قد يعكس الحلم ضغط الدراسة المشترك بين الزملاء وقلق الامتحانات. ولمن انتقل إلى بيئة جديدة قد تمثل الجماعة الباكية شعور الغربة المشترك. ولكبير السن قد يستدعي الحلم مجالس قديمة وذكريات لقاءات الأهل. ولمن يكثر مخالطة الناس قد تظهر صورهم في منامه بأحوال شتى منها البكاء. ولا ينبغي أن يُحمَّل المنام فوق ما يحتمل، فقد يكون أثرًا لمشهد أو خبر مرّ بالرائي.
من التفاصيل التي يُلتفت إليها عدد الباكين وهيئتهم، فالعدد القليل يوحي بجماعة خاصة، والعدد الكثير يوحي بإحساس عام. ويُنظر إلى صوت البكاء، فالهمس والأنين الخفيف يختلفان عن النحيب العالي. وإن كان بينهم أحد يواسي الآخرين فقد يرمز إلى وجود سند في حياة الرائي. وإن انتهى المشهد بالهدوء أو الابتسام فذلك أقرب إلى الارتياح. وكلها إشارات تقريبية وليست أدلة قاطعة.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة إلى الانتباه لمشاعر النفس ومشاعر الجماعة التي ينتمي إليها الرائي. وإن بقي الأثر في القلب فالكلام مع شخص موثوق يخفف ما فيه. ويفيد تقليل متابعة المشاهد المؤثرة قبل النوم وتنظيم ساعات الراحة. ويمكن أن يترجم الرائي تعاطفه إلى فعل بسيط كمشاركة في عمل طيب أو سؤال عن قريب. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا دام الضيق فطلب الدعم من مختص أو أحد الأهل خطوة مناسبة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، فلا يُجعل سببًا للخوف على أحد ولا لتوقع أمر عام. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو العليم بأحوال الخلق جميعًا. ويحسن بالرائي أن يدعو لنفسه ولمن حوله بالسكينة وراحة البال. وفي حسن الظن بالله طمأنينة تخفف ثقل الأفكار. وبهذا يتحول الحلم إلى باب للرحمة والمشاركة الطيبة لا إلى باب للقلق.
