قد يرى الإنسان في منامه أنه يبكي في مكان خالٍ لا أحد فيه، فسيح هادئ يرجع إليه صدى صوته. وتحمل هذه الرؤيا إحساسًا خاصًا يجمع بين السكون والوحدة، وقد يستيقظ الرائي منها وفي صدره هدوء ثقيل. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن خلو المكان فيها لا يدل على حدث في الواقع. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف أحوال الناس. وسيعرض هذا المقال ما قيل فيها بهدوء ودون جزم.
المكان الخالي في الأحلام قد يرمز إلى الخلوة وإلى مساحة تخلو من الضغوط والعيون، وقد يرمز في المقابل إلى الوحدة والفراغ. وحين يقترن به البكاء فقد يعبّر عن تنفيس يحتاجه الرائي دون أن يخشى نظرة أحد. وقد يدل على مشاعر تراكمت لأن صاحبها لم يجد مكانًا آمنًا يفرغها فيه. وقد يكون أيضًا انعكاسًا لشعور بالفراغ في مرحلة من حياته. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخلوة في المنام تحمل معاني متعددة بحسب حال صاحبها، وأن البكاء فيها أقرب إلى التفريغ الصادق منه إلى إظهار الحال أمام الناس. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الأماكن الخالية الواسعة قد تعبّر عن سعة في الصدر إذا صحبها هدوء. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد إخبارًا بشيء. وهي في الجملة استئناس. ولذلك لا يُبنى عليها يقين.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البكاء في الخلاء قد يدل على راحة بعد ضيق وعلى حاجة إلى هدوء، وإلى أن حال المكان من اتساع أو وحشة يضيف إلى المعنى. ومن المفسرين من رأى أن المكان الخالي قد يعبّر عن شعور الرائي بأن لا أحد يسمعه، فتخرج دموعه بلا شاهد. وتختلف الآراء هنا، فبعضها يميل إلى الطمأنة وبعضها إلى التحفظ. والاختلاف نفسه يدعو إلى الاعتدال. ويبقى المعتبر حال الرائي.
ويؤثر السياق في المعنى، فالبكاء في قاعة فارغة قد يوحي بانتهاء مرحلة أو بشعور بعد انصراف الناس، وفي صحراء أو أرض واسعة قد يوحي بتحرر واتساع، وفي بيت قديم خال قد يوحي بحنين. ويهم هل كان الرائي يشعر بالأمان في ذلك الخلاء أم بالوحشة، فالأمان يرجح معنى التنفيس والوحشة قد ترجح شعور الوحدة. ويهم هل ظهر في آخر المشهد شخص أو ضوء. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى.
وإذا كان الرائي ممن يعيشون وحدهم أو بعيدًا عن أهلهم، فقد يعكس المنام ما في واقعه من خلوة وشوق. وإذا كان رجلًا كثير الانشغال بين الناس، فقد يدل على حاجته إلى مكان لا يُطلب منه فيه شيء. وإذا كانت الرائية امرأة تقضي يومها في خدمة غيرها، فقد يعبّر الحلم عن حاجتها إلى ركن تخلو فيه بنفسها. أما من انتهت مرحلة في حياته فقد يظهر الخلاء عنده رمزًا للفراغ الذي خلفته. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي نوع المكان واتساعه وإضاءته وما يتردد فيه من أصوات، وهل كان يعرفه من قبل. فالمكان المعروف قد يوحي بصلة بماضيه، والمجهول قد يوحي بمرحلة جديدة. وينفع أن يتذكر هل خف بكاؤه مع الوقت. وقد يدوّن ما يتذكره ليعود إليه لاحقًا. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة قاطعة.
ومن الناحية النفسية، فالأماكن الخالية في الأحلام كثيرًا ما ترتبط بالوحدة وبمراحل الانتقال، وقد تظهر عند من يمر بفراغ عاطفي أو اجتماعي. والبكاء فيها قد يكون تعبيرًا عن الحاجة إلى القرب من الناس. وهذا مألوف ولا يدل على شيء مقلق. غير أن الوحدة الطويلة المصحوبة بحزن مستمر تستحق الالتفات. والتواصل مع المقربين من أنفع ما يخفف الشعور بالفراغ. وقد تكفي رسالة قصيرة أو مكالمة هادئة لتعيد إلى الإنسان إحساسه بأن له مكانًا في قلوب من حوله. ومن اعتاد الخلوة فلا بأس عليه أن يوازن بينها وبين الصحبة الطيبة.
وعمليًا، يفيد أن يحرص الرائي على صلة منتظمة بأهله وأصدقائه، وأن يتكلم مع شخص موثوق عما في صدره. ويفيد أن يملأ وقته بما يحب من أنشطة هادئة، وأن ينظم نومه وراحته. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الحزن المستمر أو الوحدة التي تثقل الأيام تستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب الدعم ليس ضعفًا.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالأحلام لا تُقرأ قراءة قاطعة ولا يحيط بها أحد. والأولى أن يتلقى الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالأنس والطمأنينة في خلوته وبين الناس. وما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في أيامه بقلب مطمئن، وليحرص على صلة من يحب. والله أعلم.
