قد يرى الإنسان في منامه أنه يبكي في السيارة، سواء كان وحده خلف المقود أو جالسًا بين من يرافقه. وهذه الرؤيا مألوفة عند من يقضي في سيارته وقتًا طويلًا، لأنها قد تكون المكان الوحيد الذي يخلو فيه بنفسه. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن السيارة فيها لا تدل على حدث في الواقع. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف أحوال الناس. وسيعرض هذا المقال ما قيل فيها بهدوء ودون جزم.
السيارة في الأحلام ترمز في الغالب إلى الطريق الذي يسير فيه الإنسان في حياته وإلى قدرته على توجيه نفسه. وحين يقترن بها البكاء فقد يعبّر عن تنفيس في مكان مغلق يوفر شيئًا من الخصوصية وسط زحام الأيام. وقد يدل على مشاعر متراكمة لم يجد صاحبها وقتًا لها إلا في هذه الأوقات المتنقلة. وقد يكون أيضًا صدى لتعب الطريق وكثرة التنقل. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الركوب في المنام يدل على أحوال السعي والانتقال، وأن البكاء أثناءه قد يشير إلى ثقل يحمله الإنسان في مسيره. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الدموع في الطريق قد تعبّر عن حاجة إلى ارتياح في مرحلة ينتقل فيها الرائي من حال إلى حال. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد إخبارًا بشيء. وهي في أحسن أحوالها استئناس. ولذلك لا يُبنى عليها يقين.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدموع في أثناء السفر والتنقل قد تدل على تخفف من حمل ثقيل، وإلى أن مكان الجلوس في السيارة وحال الطريق يضيفان إلى المعنى. ومن المفسرين من رأى أن القيادة في المنام ترتبط بتحمل المسؤولية، وأن البكاء فيها يعبّر عن حاجة إلى من يشاركه الحمل. وتختلف الآراء هنا، فبعضها يميل إلى التفاؤل وبعضها إلى الحذر. والاختلاف نفسه يدعو إلى عدم التهويل. ويبقى المعتبر حال الرائي.
ويؤثر السياق في المعنى، فالبكاء في سيارة واقفة قد يوحي بحاجة إلى توقف والتقاط الأنفاس، وفي سيارة تسير قد يوحي بمشاعر تتحرك مع الحياة. ويهم هل كان الرائي سائقًا أم راكبًا، فالسائق قد يعبّر عن حمله لمسؤولية والراكب قد يعبّر عن شعور بأن الأمور تسير بغير يده. ويهم حال الطريق من وضوح أو ضباب، وهل كان معه من يرافقه. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى.
وإذا كان الرائي سائقًا يقضي ساعات في الطريق، فقد يعكس المنام صدى لإرهاق التنقل. وإذا كان رجلًا يحمل مسؤولية أسرته، فقد يعبّر عن حاجته إلى فسحة لا يراه فيها أحد. وإذا كانت الرائية امرأة تتنقل بين مهام كثيرة، فقد يدل على تعب لا تجد له متنفسًا. أما الطالب أو المسافر فقد يرتبط الحلم عنده بالتنقل والانتقال إلى مرحلة جديدة. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي نوع السيارة وحالها ومن كان فيها، وإلى أين كان ذاهبًا. فالوجهة المعروفة قد توحي بأمر قريب من حياته، والوجهة المجهولة قد توحي بحيرة أو ترقب. وينفع أن يتذكر هل كانت الإضاءة نهارًا أو ليلًا، وهل كان الطريق مزدحمًا أم خاليًا. وقد يدوّن ما يتذكره ليعود إليه لاحقًا. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة حاسمة.
ومن الناحية النفسية، فالسيارة مكان يمنح بعض الناس شعورًا بالخصوصية، وقد تكون الأفكار فيها أعلى صوتًا بعيدًا عن أنظار الآخرين. فظهور البكاء فيها في الحلم أمر مألوف. وهذا لا يدل على شيء مقلق. غير أن الشعور بالحاجة إلى البكاء في الخفاء مع حزن مستمر يستحق الالتفات. وينبغي أن يُنتبه إلى أن الحلم أمر والقيادة الفعلية أمر آخر، فمن أحس بتعب شديد وهو يقود فالأفضل أن يتوقف ويستريح.
وعمليًا، يفيد أن يخصص الرائي لنفسه وقتًا للراحة بعيدًا عن الطريق، وأن يتكلم مع شخص موثوق عما يثقله. ويفيد تنظيم النوم وتخفيف أعباء التنقل قدر الإمكان. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الحزن المستمر أو التعب النفسي الذي يطول يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب الدعم ليس ضعفًا.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالأحلام لا تُقرأ قراءة قاطعة ولا يحيط بها أحد. والأولى أن يتلقى الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالتيسير والطمأنينة في طريقه وأيامه. وما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في طريقه بقلب مطمئن، وليأخذ من الراحة نصيبًا. والله أعلم.
