قد يرى الإنسان في منامه أنه يبكي في الشارع، والناس تمر من حوله والسيارات تسير وهو لا يستطيع كتمان دموعه. وهذه الرؤيا تثير شعورًا بالحرج عند بعضهم، لأن الشارع مكان عام يُفترض أن يُكتم فيه الضعف. ومن المهم أن يُفهم أن الرؤيا رمزية في أصلها، وأن ما يظهر فيها لا يدل على حدث في الواقع. وما يُقال في تفسيرها اجتهاد يختلف باختلاف أحوال الناس. وسيعرض هذا المقال ما قيل فيها بهدوء ودون جزم.
الشارع في الأحلام يرمز في الغالب إلى الحياة العامة والطريق الذي يمضي فيه الإنسان بين الناس. وحين يقترن بالبكاء فقد يعبّر عن مشاعر لم يعد الرائي قادرًا على كتمانها، فخرجت إلى العلن في المنام. وقد يدل على حاجة إلى التحرر من ضغط الظهور بمظهر القوة دائمًا. وقد يكون أيضًا صدى لموقف مر به في يومه بين الناس وترك أثرًا. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بأحدها.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء بين الناس قد يختلف في المعنى عن البكاء في الخلوة، فالأول قد يدل على ما يظهره الإنسان من أحواله، والثاني على ما يخفيه. ويُذكر عن بعض المفسرين أن الطريق في المنام يرمز إلى مسير الرائي في حياته، وأن الدموع فيه قد تشير إلى حاجته إلى ارتياح في هذا الطريق. وهذه الأقوال وردت في سياقات عامة ومقيدة بحال الرائي، ولا تُعد إخبارًا بشيء. وهي في أحسن أحوالها استئناس. ولذلك لا يُبنى عليها يقين.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البكاء أمام الخلق قد يدل على صراحة في الحال وعلى ميل إلى الإفصاح، وأن ظهور الدموع في مكان عام قد يشير إلى حاجة إلى سند. ومن المفسرين من رأى أن الشارع الواسع قد يعبّر عن اتساع المشاعر وعدم وجود مكان يحتويها. وتختلف الآراء في هذا الباب، فبعضها يميل إلى الاستبشار وبعضها إلى التريث. والاختلاف نفسه يدعو إلى عدم التسرع. ويبقى المعتبر حال الرائي.
ويؤثر السياق في المعنى، فالبكاء في شارع مزدحم قد يوحي بالشعور بالوحدة وسط الناس، وفي شارع هادئ قد يوحي بحاجة إلى خلوة وتفريغ. ويهم هل كان المارة يلتفتون إلى الرائي أم يتجاهلونه، فالالتفات قد يعكس خوفًا من نظرة الناس والتجاهل قد يعكس شعورًا بعدم الاهتمام. ويهم هل اقترب منه أحد ليواسيه، فذلك قد يعكس حاجة إلى سند حقيقي. ويهم شعوره بعد الاستيقاظ، هل حس بالحرج أم بالراحة. وتُجمع هذه القرائن قبل الميل إلى معنى.
وإذا كان الرائي شابًا يخاف من نظرة الناس، فقد يعبّر المنام عن مخاوف من الظهور أو من انتقاد الناس له. وإذا كان رجلًا اعتاد إظهار القوة، فقد يدل على حاجته إلى مساحة يظهر فيها ضعفه دون خوف. وإذا كانت الرائية امرأة تعيش بين التزامات كثيرة، فقد يعكس الحلم رغبتها في أن يُرى تعبها. أما المسافر أو الغريب فقد يرتبط عنده الحلم بوحشة الطريق. وهذه الأمثلة تقريبية لا تُلزم أحدًا.
وفي التفاصيل ينفع أن يتذكر الرائي اسم الشارع أو شكله، وهل كان مألوفًا أم غريبًا، وهل كان في الصباح أو الليل. فالشارع المألوف قد يوحي بصلة بحياته اليومية، والغريب قد يوحي بمرحلة جديدة أو شعور بالضياع. وينفع أن يتذكر كيف انتهى المشهد، هل واصل السير أم جلس أم استيقظ. وقد يدوّن ما يتذكره ليعود إليه لاحقًا. ولا يلزم أن يخرج بنتيجة حاسمة.
ومن الناحية النفسية، فالبكاء في مكان عام في الحلم يعكس غالبًا خوفًا من انكشاف المشاعر أو رغبة في أن يُفهم الإنسان على حقيقته. وقد يكون صدى لتجربة حياء أو حرج مر بها في اليقظة. وهذا مألوف ولا يدل على شيء مقلق. وفي المقابل، فإن الاعتياد على كتمان المشاعر أمام الناس قد يجعلها تظهر في الأحلام بلا قيود. والتعبير عنها في مكان آمن أنفع من تركها تتراكم.
وعمليًا، يفيد أن يجد الرائي من يثق به ليتكلم معه عما يثقله، بعيدًا عن نظرات الناس. ويفيد أن يمنح نفسه وقتًا للراحة وتنظيم النوم وتخفيف الضغوط. ويُوضَّح أن هذا المقال ليس نصيحة طبية أو نفسية، وأن الحزن المستمر أو الخوف الاجتماعي الذي يطول يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وطلب الدعم ليس عيبًا.
ويبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالأحلام لا تُقرأ قراءة قاطعة ولا يحيط بها أحد. والأولى أن يتلقى الرائي رؤياه بسكينة، وأن يحسن الظن بالله ويدعوه بالطمأنينة وتيسير الطريق. وما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله، والغيب بيده وحده. فليمض الرائي في طريقه بقلب مطمئن، وليأخذ من الراحة نصيبها. والله أعلم.
