يتساءل المريض عن معنى البكاء حين يراه في منامه، وقد يستيقظ وفي نفسه قلق من أن يكون للمشهد صلة بحاله. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتألف من المشاعر والأفكار والانشغالات اليومية، وليست خبرًا مؤكدًا عن شيء قادم. وفي هذا التفسير لا يُقال شيء عن مآل المرض ولا عن حال الصحة، فذلك ليس مما يُجزم به. وإنما يُعرض ما قيل في معنى البكاء عمومًا بوصفه رمزًا للتنفيس. وهو عرض هادئ يقصد الطمأنينة لا التخويف.
البكاء في رموز المنام يشير في الغالب إلى التنفيس وإخراج ما يثقل الصدر من مشاعر. وقد يعبّر عن تعب تراكم مع الأيام، أو عن فرح كامن لم يُظهر، أو عن رغبة في الراحة بعد جهد طويل. ويرى بعض المفسرين أن الدمع يعكس تخففًا من أثقال النفس كما يخفف الظل شدة الطريق. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدمع لغة تحتمل أكثر من قراءة. والمعوّل عليه هو الإحساس الذي يبقى مع الرائي بعد الاستيقاظ.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء الهادئ الخالي من الصراخ يُحمل على التخفف من الهم، وأن الصراخ يستدعي نظرًا مختلفًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدمع قد يدل على انشراح بعد ضيق إذا لم يقترن بنواح. وتختلف أنظار المفسرين في التفصيل، فمنهم من يغلّب جانب الفرح ومنهم من يغلّب جانب التنفيس عن الهم. وهذا كله اجتهاد لا يرقى إلى اليقين، وتتفاوت فيه المدارس. ويكفي الرائي أن يأخذ منه الإشارة العامة إلى الراحة والتعبير.
يتأثر المعنى بسياق الحلم كله، فالدمع الهادئ في مكان ساكن غير البكاء المضطرب وسط الزحام. وإذا أعقب البكاء خفة في الصدر فهذا أقرب إلى معنى التنفيس، وإذا أعقبه ثقل فقد يكون في النفس شعور لم يُعبَّر عنه بعد. ومن القرائن مكان المشهد، أهو البيت أم مكان العلاج أم مكان غريب، وهل كان الرائي وحده أم بين أهله. ويُنظر كذلك إلى غزارة الدمع وصوته. وكل قرينة تضيف ظلًا صغيرًا إلى الصورة العامة.
الإنسان الذي يمر بوعكة صحية قد يحمل في صدره مشاعر كثيرة، بين التعب والترقب والحاجة إلى الطمأنينة. وفي مثل هذه الأيام قد تتراكم المشاعر دون أن يجد وقتًا أو مجالًا للتعبير عنها. فقد يأتي البكاء في المنام صورة لهذا العبء الداخلي، وقد يشير عند بعضهم إلى حاجة إلى الراحة والسند والكلمة الطيبة. وليس في الحلم تعليق على حال الجسد ولا إخبار بما سيكون. وإنما هو انعكاس رمزي لحال النفس يمكن التعامل معه بالاهتمام والرفق.
وإذا رأى المريض نفسه يبكي بين أهله فقد يُقرأ ذلك على أنه حاجة إلى القرب والاحتواء. وإذا بكى وحده فقد يكون تنفيسًا خاصًا لا يتعلق بأحد. وإن أعقب البكاء هدوء أو ابتسامة فيميل كثيرون إلى فهمه على أنه راحة بعد ضيق، مع بقاء ذلك احتمالًا لا جزمًا. أما إن بقي الشعور ثقيلًا فقد يشير إلى حاجة إلى الكلام مع شخص قريب موثوق. وكل رؤيا لها خصوصيتها، ولا يُبنى عليها توقع بشأن الصحة.
من التفاصيل المهمة نبرة البكاء، أهي هادئة أم مرتفعة، وهل ترك الرائي دمعه ينساب أم حاول إخفاءه. وهل ظهر في الحلم من يواسيه أو يقف بجانبه، فقد يرمز ذلك إلى حاجة إلى سند في اليقظة. وإذا كان المكان مألوفًا فهو يوحي بالأمان، وإذا كان غريبًا فقد يوحي بالحيرة. كما أن الإحساس بعد الاستيقاظ، خفة أو ثقلًا، من أهم القرائن. وليست هذه التفاصيل قاطعة، وإنما إشارات تساعد على فهم الجو العام للحلم.
من الناحية النفسية، يُعد البكاء وسيلة طبيعية للتخفف من التوتر، وقد يظهر في الحلم حين يتزاحم القلق في اليقظة. ويفيد أن يتكلم الرائي مع أهله أو صديق موثوق عما يشعر به بدل كتمانه، وأن يمنح نفسه الراحة التي تلزمه. وليس هذا الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، ولا يغني عن متابعة الطبيب وما يرشده إليه. فإن زاد القلق أو الحزن فالأولى استشارة الطبيب أو مختص نفسي. وفي الأخذ بالأسباب طمأنينة أكبر من تتبع الرموز.
ولا ينبغي للرائي أن يحمّل هذا الحلم ما لا يحتمل، فكثير من الأحلام الباكية صدى ليوم مثقل بالمشاعر. وإن تكرر الحلم فقد يكون إشارة داخلية إلى حاجة تستحق الإصغاء كالدعم والاهتمام. ومن الحسن أن يحيط نفسه بصحبة طيبة وأجواء هادئة وكلام لطيف. وأن يتذكر أن مشاعره مفهومة وأن التعبير عنها أمر طبيعي. وبهذا يتحول الحلم إلى مناسبة للتأمل الهادئ بدل الانزعاج.
ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يقوم مقام اليقين. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالخير وأن يُحسن الظن به في كل أحواله. وإذا شغله الحلم فليصرفه عن باله بالذكر الطيب والعمل النافع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
