رؤية البكاء ثم الكلام الهادئ في المنام صورة تجمع بين التنفيس والتعبير بالكلمات. والرؤيا رمزية في أصلها، تتألف من مشاعر الرائي وأفكاره وما مرّ به في يومه، ولا تُعد خبرًا قاطعًا عن مستقبله. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء بوصفها إشارة إلى حال نفسية لا إلى حدث خارجي. وكثيرًا ما يستيقظ الإنسان من مثل هذه الرؤيا وفي صدره سؤال عن معناها، فيكفيه أن يعلم أنها تقبل أكثر من وجه. وما يأتي من تأويلات اجتهاد في فهم الرموز وليس قولًا فاصلًا.
البكاء في المنام يرمز إلى التنفيس عن المشاعر، وقد يدل على راحة بعد ضغط أو فرح متأثر أو حزن مكبوت. والكلام الهادئ بعده يضيف إلى الرمز معنى انتقال المشاعر من الدموع إلى الكلمات، أي أن النفس صارت قادرة على الشرح بعد أن خفّ ثقلها. وقد يعبر عن رغبة في الفهم والتفاهم مع النفس أو مع الآخرين. وقد يدل كذلك على نضج في التعامل مع الانفعال. وليس في هذه المعاني جزم، فالرمز يختلف باختلاف أحوال الرائي. وقد تكون الصورة أثرًا لمحادثة جرت في اليوم السابق.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكلام الطيب في المنام قد يدل على صفاء النية وحسن العلاقة بين الناس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يجري بين الرائي وغيره من كلام في الرؤيا قد يعبر عن علاقاته وما يتمناه فيها. واختلف المفسرون في ذلك، فمنهم من حمل الكلام الهادئ بعد البكاء على المصارحة والصفاء، ومنهم من حمله على حاجة الرائي إلى أن يُسمع. وهذا الاختلاف يعني أن التأويل ظني ويرتبط بحال الرائي. ولا يُعتمد نقل واحد في تقديره. ويُطلب من الرائي أن يستحضر ما كان في نفسه حين رأى المشهد.
يتغير المعنى بحسب من يكلمه الرائي، فإن كان قريبًا كأحد الأهل فقد يدل على حاجة إلى مصارحة أو تقارب، وإن كان صديقًا فقد يدل على وفاء وثقة، وإن كان غريبًا فقد يدل على رغبة في التعبير أمام من لا يعرفه. وإن كان يكلم نفسه فقد يرمز ذلك إلى مراجعة داخلية. ويُنظر إلى نبرة الكلام، فالنبرة الهادئة توحي بالاتزان، والمتقطعة توحي بتأثر ما زال حاضرًا. ويُنظر إلى مضمون الكلام إن ظهر في الحلم. وكل ذلك قرائن تقريبية.
وللمرأة العزباء قد يعكس الحلم حاجتها إلى من تفضفض إليه بصدق وهدوء. وللمتزوجة قد يدل على رغبتها في كلام صريح هادئ مع من حولها بشأن ما يثقلها. وللأم قد يكون صدى لما تحتاجه من إصغاء يخفف عنها بعد يوم مزدحم. وللحامل قد تزداد الحساسية فيظهر البكاء ثم الكلام الهادئ في المنام. وكل ذلك تأويل ظني يتعلق بنفس الرائية وحالها.
وللرجل قد يدل الحلم على صعوبة التعبير عن مشاعره وعلى رغبته في أن يجد الكلمات المناسبة. وللشاب قد يعبر عن حاجة إلى مصارحة أو استشارة في أمر يشغله. وللأب قد يعكس رغبته في كلام هادئ مع أبنائه بعيدًا عن التوتر. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأن الكلام بعد التنفيس أيسر وأصفى منه قبله. ولا يلزم أن يكون وراء الصورة أمر خارجي.
وللطالب قد يعكس الحلم حاجته إلى الكلام مع معلم أو زميل عن قلقه. وللعامل قد يعبر عن رغبته في توضيح أمر مع رئيسه أو زميله بهدوء. ولمن مرّ بخلاف قد يظهر الحلم رغبة في الصلح بالكلمة الطيبة. ولكبير السن قد يستدعي الحلم ذكريات مجالس هادئة وأصدقاء قدامى. وكلما قرب الحلم من تجارب الرائي كان فهمه من جهة النفس أولى.
من التفاصيل المؤثرة في التأويل مكان الكلام، فالجلوس في البيت يوحي بالأسرة، والجلوس في الخارج يوحي بالانفتاح. وإن كان الرائي يسمع أكثر مما يتكلم فقد يرمز ذلك إلى حاجة إلى الإصغاء. وإن كان يتكلم أكثر فقد يرمز إلى حاجة إلى التفريغ والتوضيح. ويُنظر إلى استجابة المستمع، فالاهتمام يوحي بسند، والانشغال يوحي بشعور بعدم الاهتمام. وإن انتهى الكلام بابتسامة أو مصافحة فذلك أقرب إلى معنى الصفاء. وكلها إشارات تقريبية وليست أدلة قاطعة.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الكلام مع شخص موثوق عن المشاعر التي تتراكم. فمن الحسن أن يختار الإنسان وقتًا هادئًا ومكانًا مريحًا لهذا الكلام. ويفيد تنظيم النوم والراحة وتخفيف الضغوط اليومية. ويمكن أن يكتب الرائي ما يشعر به ليرتب أفكاره قبل الكلام. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا دام الضيق فطلب الدعم من مختص أو أحد الأهل خطوة مناسبة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء، فلا يُبنى عليه خوف ولا أمل مقطوع به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو العليم بما في الصدور. ويحسن بالرائي أن يدعو بالسكينة وراحة البال وأن يحسن الظن بربه. وفي حسن الظن بالله طمأنينة تخفف ثقل الأفكار. وبذلك يمضي الإنسان في يومه بهدوء وثقة.
