رؤية الإنسان يبكي ثم ينام في المنام صورة توحي بانتقال من الانفعال إلى الاستسلام للراحة. والرؤيا رمزية في أصلها، تتألف من مشاعر الرائي وأفكاره وما مرّ به في يومه، ولا تُعد خبرًا قاطعًا عن مستقبله. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء بوصفها إشارة إلى حال نفسية لا إلى حدث خارجي. وكثيرًا ما يستيقظ الإنسان من مثل هذه الرؤيا وفي صدره سؤال عن معناها، فيكفيه أن يعلم أنها تقبل أكثر من وجه. وما يأتي من تأويلات اجتهاد في فهم الرموز وليس قولًا فاصلًا.
البكاء في المنام يرمز إلى التنفيس عن المشاعر، وقد يدل على راحة بعد ضغط أو فرح متأثر أو حزن مكبوت. والنوم بعد البكاء يضيف إلى الرمز معنى الاستسلام للراحة والتعب، أي أن الدموع أنهكت النفس فطلبت الهدوء. وقد يعبر عن حاجة ماسة إلى الراحة لم تُعطَ حقها في اليقظة. وقد يدل كذلك على قدرة النفس على تخفيف ثقلها بالابتعاد عن الهم مؤقتًا. وليس في هذه المعاني جزم، فالرمز يختلف باختلاف أحوال الرائي. وقد تكون الصورة أثرًا لإرهاق حقيقي في الأيام السابقة.
نُسب إلى ابن سيرين أن النوم في المنام قد يشير إلى السكون وترك الاشتغال بالأمر بحسب الحال والسياق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يفعله الرائي بعد الانفعال في الرؤيا قد يعبر عن طريقته في التعامل مع الضغوط. واختلف المفسرون في ذلك، فمنهم من حمل النوم بعد البكاء على الراحة، ومنهم من حمله على الهروب من مواجهة الشعور. وهذا الاختلاف يعني أن التأويل ظني ويرتبط بحال الرائي. ولا يُعتمد نقل واحد في تقديره. ويُطلب من الرائي أن يستحضر ما كان في نفسه حين رأى المشهد.
يتغير المعنى بحسب مكان النوم وهيئته، فالنوم في سرير مألوف يوحي بالأمان والراحة، والنوم في مكان عام أو غريب يوحي بإرهاق شديد أو بحاجة إلى مأوى. وإن نام الرائي على كتف شخص يحبه فقد يرمز ذلك إلى حاجة إلى السند. وإن نام وحده في غرفة هادئة فقد يرمز إلى حاجة إلى الخلوة. ويُنظر إلى حاله عند الاستيقاظ في الحلم، فإن استيقظ مرتاحًا فذلك أقرب إلى التعافي النفسي، وإن استيقظ ثقيلًا فقد يحتاج إلى مزيد من الراحة. وكل ذلك قرائن تقريبية.
وللمرأة العزباء قد يعكس الحلم تعبًا نفسيًا وحاجة إلى فسحة تهدأ فيها. وللمتزوجة قد يدل على إرهاق في شؤون البيت يحتاج إلى مشاركة وراحة. وللأم قد يكون صدى للسهر الطويل مع الصغار وتمني ساعات نوم أطول. وللحامل قد تزداد الحساسية والتعب فيظهر البكاء ثم النوم في المنام. وكل ذلك تأويل ظني يتعلق بنفس الرائية وحالها.
وللرجل قد يدل الحلم على إرهاق في العمل أو في تحمل المسؤوليات، وعلى حاجة إلى راحة لا يعطيها لنفسه. وللشاب قد يعبر عن ضغط الدراسة أو التفكير في المستقبل. وللأب قد يعكس تعب الأيام وهمّ الأسرة. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأن الإنسان يحتاج إلى الراحة كما يحتاج إلى العمل. ولا يلزم أن يكون وراء الصورة أمر خارجي.
وللطالب قد يعكس الحلم سهر الامتحانات وإرهاق المذاكرة. وللموظف قد يعبر عن ضغط الأيام الطويلة وقلة النوم. ولمن يسافر كثيرًا قد يظهر الحلم أثر الإجهاد وتغير مواعيد الراحة. ولكبير السن قد يستدعي الحلم أثر السنين وحاجته إلى الهدوء. وكلما قرب الحلم من تجارب الرائي كان فهمه من جهة النفس أولى.
من التفاصيل المؤثرة في التأويل مدة النوم وعمقه، فالنوم القصير الخفيف يوحي باستراحة عابرة، والعميق الطويل يوحي بحاجة كبيرة إلى الراحة. وإن كان معه غطاء أو وسادة فقد يرمز ذلك إلى الدفء والأمان. وإن كان النوم متقطعًا تتخلله الدموع فقد يرمز إلى مشاعر لم تهدأ تمامًا. ويُنظر إلى وجود أحد بجانب الرائي، فوجوده يوحي بسند وغيابه يوحي بخلوة. وإن استيقظ مبتسمًا فذلك أقرب إلى معنى الارتياح. وكلها إشارات تقريبية وليست أدلة قاطعة.
ومن الناحية العملية قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى منح الجسد والنفس حقهما من الراحة. فمن الحسن أن يجد الإنسان من يتكلم معه بثقة عمّا يثقل صدره. ويفيد تنظيم ساعات النوم وتخفيف الضغوط اليومية وتقليل السهر. ويمكن أن يكتب الرائي ما يشعر به ليفهمه أكثر. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، وإذا دام الضيق أو الإرهاق فطلب الدعم من مختص أو أحد الأهل خطوة مناسبة.
هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يقطع بشيء، فلا يُبنى عليه خوف ولا أمل مقطوع به. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو العليم بما في الصدور. ويحسن بالرائي أن يدعو بالسكينة وراحة البال وأن يحسن الظن بربه. وفي حسن الظن بالله طمأنينة تخفف ثقل الأفكار. وبذلك يمضي الإنسان في يومه بهدوء وثقة.
