تقدّم هذه الصفحة قراءة رمزية هادئة للحلم الذي يظهر فيه الشيطان ويرافقه خوف من الوسوسة، على سبيل الاجتهاد لا الجزم. فالأحلام في كثير من أحوالها صور يعيد بها العقل ترتيب ما يشغله في اليقظة. وليس في ظهور هذه الصورة ما يدل على أن الرائي رأى شيئًا على حقيقته، ولا على أمر خارج عن نفسه. والمقصود هو الفهم والطمأنينة لا التخويف. وكل ما يُذكر بعد ذلك احتمالات تحتمل الصواب والخطأ. ومن شاء الطمأنينة فليأخذ من هذا الكلام ما يريح قلبه ويدع ما سواه.
الخوف من الوسوسة شعور يعرفه كثيرون، وهو في أصله خوف من الأفكار التي تلحّ على الذهن وتصعب مغادرتها. وقد يُعبّر الحلم عن هذا الخوف بصورة رمزية تجمع الخواطر المزعجة في مشهد واحد. فالصورة هنا ليست خبرًا عن شيء، وإنما هي ترجمة نفسية لشعور الرائي. ولا يعدّ هذا الخوف عيبًا فيه، فالانتباه إلى الأفكار علامة حرص على صفاء القلب. وبهذا الفهم تخف حدة الصورة ويقترب الرائي من الطمأنينة. وكثيرًا ما يكون مجرد تسمية الشعور خطوة نحو تخفيفه.
ومما يُذكر في باب الاستعاذة العامة قول الله تعالى: ﴿إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ (سورة الناس، الآية 3)، وهو من آيات سورة الناس المعروفة. وفي الآية تذكير بأن الله هو المعبود الذي يلجأ إليه القلب عند الحيرة. وهذا ربط عام بقيمة الالتجاء إلى الله وسكون النفس، وليس تفسيرًا لهذا الحلم. ولا يُراد به وصف حال الرائي أو الجزم بشيء من شأنه.
وذكر بعض المعبّرين أن التعبير يتبع حال الرائي وما يحيط به، فلا تُحمل الصورة الواحدة على الجميع بمعنى واحد. وذهب بعضهم إلى أن للرمز الواحد وجوهًا عدة، وأن المعبّر يتأنى ولا يجزم. وتتعدد آراء أهل التعبير في الصور المتشابهة، ولا يُقطع بواحد منها. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال إشارات تقريبية تحتمل غيرها. وما كان منها داعيًا إلى الهدوء فهو أولى بالأخذ. وليس على المرء أن يستقصي الأقوال كلها ليطمئن.
وللسياق أثر كبير في فهم هذا الحلم. فقد يأتي بعد فترة من كثرة التفكير في الأفكار نفسها، أو بعد قراءة أو مشاهدة أثارت القلق، أو بعد نهار مرهق وليل قصير. وقد يكون الخوف من الأفكار نفسه سببًا في تضخيمها، فتأتي في النوم أكبر وأوضح. وفي هذه الأحوال يكون الأقرب أن الصورة صدى لتعب الذهن. ومن المفيد أن يُمنح الجسد والذهن حقهما من الراحة قبل أي تأويل آخر. فالانشغال بمراقبة الأفكار يزيد في الغالب ثقلها. وقد يكفي أن يتعلم المرء ألا يجادل كل فكرة تمر به، فتمر كما تمر الغيوم.
ويُنظر إلى الرائي هنا بوصفه إنسانًا حريصًا على صفاء قلبه، لا بوصفه مقصرًا ولا متهمًا. فقد يعبّر المشهد عن رغبة في الراحة من أفكار متكررة، أو عن حاجة إلى من يطمئنه، أو عن تعب من كثرة المحاسبة للنفس. وليس في ذلك اتهام لأحد ولا نسبة أمر إلى أحد. وإنما هو رمز يشير إلى انشغال الذهن لا أكثر. والرفق بالنفس والحديث مع من يوثق به يخففان كثيرًا من هذا الثقل.
وتفاصيل الحلم تساعد على فهمه، كالمكان وطول المشهد وشعور الرائي أثناءه وبعده. فإن كان الأثر خفيفًا وزال سريعًا فالأقرب أنه من تزاحم الأفكار. وإن بقي الانقباض في الصباح فيحسن الانتباه إلى الحاجة إلى الراحة والأنس. وكل ذلك قراءة رمزية تحتمل غيرها، ولا يُراد منها أن تتحول إلى مراقبة جديدة للنفس. ومن الأيسر أن يُترك التحليل ويُشغل الوقت بما ينفع.
ومن الجانب العملي، ينفع تنظيم اليوم، وتخفيف المنبهات قبل النوم، وصرف الانتباه إلى عمل نافع أو نشاط محبب إذا ألحّت الأفكار، والحديث مع من يطمئن إليه المرء. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإذا استمرت الوسوسة أو الأفكار المزعجة وأثرت في النوم أو الدراسة أو العمل أو العلاقات أو تكرر الخوف، فالأولى عرض الأمر على مختص نفسي والحديث مع أحد الأهل المقربين. فهذه الحالات يعرفها المختصون ويساعدون في علاجها بوسائل علمية مجربة، ولا ضعف في طلب المساعدة. وحسن الظن بالله والصبر الجميل لا يمنعان من الأخذ بالأسباب.
ومما يحسن تذكره أن الأحلام لا تصنع واقعًا ولا تغيّر شيئًا في اليقظة. فالصور المزعجة تزول مع الصباح، ويبقى ما ينفع من عمل وصبر وأنس بالله. والأولى بالإنسان أن يجعل نصيبه من أحلامه الطيبة حسن ظن بالله، ومن أحلامه المزعجة صبرًا وهدوءًا، فلا يغتر بالأولى ولا يضطرب من الثانية. وأما ما يزعج فلا يُطال الانشغال به.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، ولا يُبنى عليه أمر ولا يُنتظر منه خبر. وينبغي أن يبقى الرائي حسن الظن بربه، داعيًا إياه بالسكينة وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده سبحانه. والله تعالى أعلم.
