إذا شعر الإنسان في منامه بالرهبة أمام صورة الشيطان فقد يستيقظ وفي صدره سكون ثقيل، والأولى أن يعلم أن الرهبة في الحلم إحساس نفسي كغيره من الإحساسات. فالرهبة تختلف عن الخوف في أنها شعور بالتهيب والانقباض أمام ما يبدو كبيرًا أو غامضًا، وهي كثيرًا ما ترافق الأحلام التي تكبّر الصور في الذهن. وليس في هذه الرؤيا ما يدل على أن شيئًا يهدد الرائي أو أن أمرًا سيقع. ومن مرّ بها فليطمئن، فالحلم صورة والصورة لا تنقل واقعًا.
وفي الرمز العام يعبّر الشيطان عن الوسوسة والتردد والإغراء الداخلي والغضب والنزاع النفسي. وحين تقترن به الرهبة فقد يدل المنام على تهيب من مواجهة أمر ما في الحياة، أو على إحساس بثقل الموقف، أو على قلق من مسؤولية جديدة. وقد يعبّر الشعور أيضًا عن احترام مبالغ فيه لفكرة مقلقة جعلها الذهن أكبر من حجمها. وهذه قراءة نفسية عامة لا تنسب إلى الرائي ضعفًا ولا تتضمن إخبارًا عن حدث.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (سورة الطلاق، الآية 3). وفي هذا ما يذكّر بأن الاعتماد على الله يخفف رهبة المواقف، دون أن تكون الآية تفسيرًا لحلم محدد أو وعدًا بنتيجة محددة. ومما يساعد على السكينة بعد الحلم المزعج أن يتذكر الإنسان أنه في أمان في فراشه وبيته، وأن الصورة التي مرّت به انتهت بانتهاء النوم، فلا حاجة إلى إبقائها حاضرة في ذهنه بقية يومه ولا إلى انتظار أثرها. وهو أدب يخفف الرهبة ويصرف النفس عن تكرار الصورة.
وذكر بعض المعبّرين أن المشاعر الغالبة في الرؤيا تُقرأ بحسب ما يعيشه الرائي، وذهب بعضهم إلى أن ما يجده الإنسان في منامه من رهبة قد يدل على تهيب في اليقظة من أمر عظيم عنده. وهذه النسبة عامة لا تُجزم تفاصيلها، وتختلف فيها الآراء اختلافًا واسعًا. وأقرب ما يُؤخذ منها أن الرهبة في الحلم صدى لتهيب حقيقي في النفس، وأن تهدئة النفس هي المدخل لتخفيفه.
وأثر السياق واضح. فمن كان مقبلًا على أمر كبير كامتحان أو مقابلة أو مرحلة جديدة قد يعبّر حلمه عن تهيبه. ومن كان قد سمع ما يرفع من شأن أمر ما حتى صار يهابه قد يرى هذا في المنام. وقد يأتي الحلم بعد مشهد مهيب أو قراءة تثير الدهشة، فيتحول إلى شعور بالرهبة. وفي كل هذه الأحوال يبقى الحلم صورة، ولا يُفهم منه أن الرائي في موضع خطر أو أن مصيرًا ينتظره.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فالشاب قد يعبّر الحلم عنده عن تهيب من مسؤولية جديدة، والمتزوجة عن رهبة من أعباء تتزايد، والموظف عن تهيب من مواجهة رئيس أو اجتماع مهم، والطالب عن رهبة الاختبار. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن تهيب من التغيرات القادمة بسبب العمر. وهذه كلها معانٍ نفسية عامة، لا تتضمن اتهامًا ولا إدانة لأحد، وتعكس تهيبًا طبيعيًّا يمر به كل إنسان.
وفي تفاصيل الحلم ما يضيف. فإن كانت الرهبة خفيفة فهي أقرب إلى تهيب عابر، وإن كانت شديدة فقد تعبّر عن ضغط مرتفع يحتاج إلى عناية، وإن زالت مع الوقت في الحلم فهذا أقرب إلى استقرار النفس، وإن بقيت بعد الاستيقاظ فالأولى أن يهتم الرائي بتهدئة نفسه بالتنفس والذكر. وكل هذه احتمالات تأويلية عامة لا يُجزم بها، ولا يُراد منها زيادة القلق.
ومن الوجهة العملية يمكن للرائي أن يتحدث بصدق عمّا يهابه مع من يثق به، وأن يقسّم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة، وأن يحافظ على نومه وراحته وذكره. ويفيد الاستعداد المنظم لما يرهبه، فإن الاستعداد يخفف الرهبة. وليس هذا الكلام نصيحة طبية أو نفسية، وإذا كانت الرهبة شديدة أو متكررة أو أثّرت في حياته اليومية فمن المناسب أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل الذين يثق بهم.
ومن اللطيف أن يتذكر الإنسان أن الهيبة الحقيقية لله وحده، وأن ما سواه لا يستحق أن يملأ القلب خوفًا مفرطًا. فمن عظّم الله في قلبه صغر في نظره كل ما يهابه الناس بغير حق، وصار قلبه أهدأ في مواجهة المواقف. وهذا معنى يبعث الطمأنينة ولا يعني تحقير شيء، وإنما وضع الأمور في أحجامها. وبهذا يتحول الحلم المرهب إلى تذكير لطيف بالثقة بالله والتوازن في النظر إلى الأمور. وقد يجد الرائي في التحضير الجيد لما يهابه، كأن يتمرن عليه أو يتحدث عنه مع من سبقه، ما يزيل كثيرًا من الرهبة. فالمجهول هو ما يكبّر الأشياء، والمعرفة تصغّرها. وإذا غلبته الرهبة في الحلم فليتذكر أن بين الحلم والواقع فرقًا واسعًا، وأن قلبه قادر على الثبات بإذن الله.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. فليدعُ الرائي ربه أن يطمئن قلبه ويقوّي نفسه، وليحسن به الظن. وقد تكون هذه الرؤيا من أضغاث الأحلام العابرة، فلا يثقل بها قلبه ويمضي إلى يومه مطمئنًا.
