إذا شعر الإنسان في منامه بالوسوسة، دون أن يرى شيئًا أو يسمع صوتًا، فقد يستيقظ وفي صدره ثقل غامض، والأولى أن يعلم أن الشعور في الحلم هو أيضًا لغة رمزية. فالأحلام لا تقتصر على الصور والأصوات، بل تنقل الأحاسيس مباشرة، ومنها إحساس التردد والشك والانشغال بالخواطر. وليس في هذا الشعور ما يدل على أن شيئًا حدث أو سيحدث. ومن مرّ به فليطمئن، فهو انعكاس لحال النفس لا إخبار بواقع.
وفي الرمز العام تعبّر الوسوسة عن تتابع الخواطر وتكرار الأسئلة والتردد بين الإقدام والإحجام. فإذا شعر الرائي بها في المنام فقد يدل ذلك على أن ذهنه منشغل بأمر لم يجد له حسمًا، أو أن في نفسه ميلًا إلى إعادة التفكير في ما انتهى. وقد يعبّر الشعور أيضًا عن حاجة إلى الطمأنينة والثقة. وهذه قراءة نفسية عامة، لا تنسب إلى الرائي حالًا غير سوية ولا تصفه بشيء.
وقال الله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (سورة الناس، الآية 4)، وقال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (سورة الناس، الآية 5). وفي هاتين الآيتين ما يذكّر بأن الخواطر التي تتردد في الصدر معروفة للإنسان وأن الاستعاذة بالله منها بابٌ للسكينة، دون أن تكونا تفسيرًا لهذا الحلم أو إدانة لحال صاحبه. ومما يخفف أثر الأحلام المكروهة أن يراها الإنسان صورة عابرة من صور النوم، فلا يعطيها أكبر من حجمها، ويصرف قلبه إلى ما ينفعه في يومه، ولا يجعلها موضوع حديث متكرر مع من حوله ولا سؤالًا يلاحقه.
وذكر بعض المعبّرين أن الأحاسيس في الرؤيا تُحمل على حال صاحبها وما يغلب عليه، وذهب بعضهم إلى أن ما يجده الرائي في نفسه أثناء الحلم من تردد أو ضيق يدل على ما في قلبه من انشغال. وهذه النسبة عامة لا تُجزم تفاصيلها، وتختلف فيها الآراء. وأقرب ما يُؤخذ منها أن شعور الوسوسة في الحلم يعبّر عن تفكير متكرر، وأنه يخف بتخفيف أسبابه.
وأثر السياق كبير. فمن كان في مرحلة قرار مهم أو انتظار نتيجة أو مراجعة لأمر قد يرى الحلم تجسيدًا لتردده. ومن كان كثير التدقيق في نفسه وفي ما يفعل قد يحمل حلمه هذا الميل. وقد يأتي الحلم بعد يوم متعب أو بعد أسئلة كثيرة من الآخرين، فيتحول إلى إحساس بالخواطر المتتابعة. وفي كل هذه الأحوال لا يتضمن الشعور إدانة ولا إخبارًا، وإنما يعكس حالة من الانشغال الذهني تمر وتزول.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فالشاب قد يعبّر الحلم عنده عن تردد بين خيارات الحياة، والمتزوجة عن كثرة التفكير في تفاصيل البيت والأولاد، والموظف عن إعادة حساب القرارات المهنية، والطالب عن الشك في استعداده. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن مراجعة ما مضى. وهذه كلها معانٍ نفسية عامة، لا تتضمن اتهامًا ولا إدانة، ويمر بها كثير من الناس في فترات مختلفة من حياتهم.
وفي تفاصيل الحلم ما يضيف. فإن كان الشعور خفيفًا فالأقرب أنه تردد عابر، وإن كان مصحوبًا بقلق فقد يعبّر عن انشغال أشد، وإن زال حين تذكّر الرائي ربه فهذا يدل على أثر الذكر في النفس. وإن كان مصحوبًا بإحساس بالراحة بعد قليل فقد يدل على انتقال من التردد إلى الاطمئنان. وهذه احتمالات تأويلية عامة، لا يُجزم بها ولا يُراد منها إثقال الرائي بالتفاصيل.
ومن الوجهة العملية يمكن للرائي أن يخصص وقتًا في النهار لحسم ما يمكن حسمه، وأن يتوقف عن إعادة التفكير في ما قرّره، وأن يستشير من يثق برأيه في ما يحتاج إلى مشورة. ويفيد الذكر والصلاة والتأمل الهادئ والنوم المنتظم. وليس هذا الكلام نصيحة طبية أو نفسية، وإذا استمر الشعور بالتردد والتكرار أو أرهق صاحبه فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل.
ومن اللطيف أن يتذكر الإنسان أن القلب لا يُطلب منه أن يخلو من الخواطر، وإنما أن يحسن التعامل معها. فالخاطر الذي يمر ولا يُتبع لا يترك أثرًا يُذكر، والذي يُتبع ويُعاد يكبر. ومن أخذ بالأسباب المعقولة ثم ترك الأمر لله وحسن الظن به استراح. وهذا باب واسع لسكينة الصدر يعرفه كل من جرّب ترك الإلحاح على نفسه والاكتفاء بخطوات هادئة. ويحسن بالرائي أن يفرّق بين الخاطر الذي يمر والفكرة التي يريدها، فالأول لا يُسأل عنه الإنسان ولا يلزمه الانشغال به، والثانية هي التي يوجهها بإرادته إلى ما ينفعه. وبهذا التفريق يخف كثير من الثقل، ويستطيع أن يمضي في يومه بخفة، ويترك للأحلام أن تعبّر عن نفسها دون أن تتحول إلى مصدر قلق.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. فليدعُ الرائي ربه أن يشرح صدره ويطمئن قلبه، وليحسن به الظن. وقد تكون هذه الرؤيا من أضغاث الأحلام العابرة، فلا يثقل بها قلبه ويمضي إلى يومه مطمئنًا.
