تقدّم هذه الصفحة قراءة رمزية هادئة لرؤية الشيطان في المنام للتاجر، على سبيل الاجتهاد لا الجزم. فالأحلام في الغالب مشاهد تصنعها النفس من الهموم والأفكار التي علقت بالذهن في النهار. وليس في ظهور هذه الصورة ما يدل على أن الرائي رأى شيئًا على حقيقته، ولا على أن أمرًا خارجيًا أثّر في عمله أو في بيته. والمقصود هو الفهم والطمأنينة لا التخويف. وكل ما يُذكر بعد ذلك احتمالات تحتمل الصواب والخطأ. ومن شاء الطمأنينة فليأخذ من هذا الكلام ما يريح قلبه ويدع ما سواه.
يشير الشيطان في الرموز إلى الوسوسة والتردد والطمع الداخلي والانفعال والإغراء بما لا يليق. وهذه المعاني تمرّ بأصحاب الأعمال في أوقات اتخاذ القرار خاصة، إذ تتنازع النفس بين الحذر والجرأة وبين الصبر والعجلة. فقد تكون الصورة تعبيرًا عن حوار داخلي في مسألة تشغل الرائي. ولا يُعدّ ذلك عيبًا فيه، فهو شعور يعرفه كل من تحمّل مسؤولية عمل. وبهذا يصير الرمز مرآة للنفس لا إنذارًا من الخارج. ومتى فُهم الرمز على هذا الوجه خف وقعه على صاحبه وعاد إلى عمله بقلب أهدأ.
ومما يناسب هذه الرؤيا أن التاجر يحمل في ذهنه حسابات كثيرة وقرارات متتابعة، فقد تظهر هذه الأعباء في أحلامه صورًا مزعجة. وهذا لا يدل على شيء يتعلق بتجارته، وإنما هو انعكاس لانشغال الفكر بالعمل. ويفيد أن يفصل بين ساعات العمل وساعات الراحة، وأن يدوّن ما يشغله ليفرغ ذهنه، وأن يستشير أهل الخبرة في قراراته الكبيرة. والصدق في المعاملة والاعتدال في الطموح يمنحان القلب طمأنينة تغني عن تتبع الأحلام، ويجعلان النوم أهدأ والنهار أنفع.
وذكر بعض المعبّرين أن التعبير يتبع حال الرائي وصنعته وما يشغله، فلا تُحمل الصورة الواحدة على الجميع حملًا واحدًا. وذهب بعضهم إلى أن المعبّر الحاذق يتحرى القرائن ويتأنى في الكلام. وتتعدد آراء أهل التعبير في الصور المتشابهة، ولا يُجزم بقول منها. ولذلك تؤخذ هذه الأقوال إشارات تقريبية تحتمل غيرها. وما كان منها داعيًا إلى الهدوء وحسن التدبير فهو أولى بالأخذ.
وللسياق أثر ظاهر في فهم هذا المشهد. فقد يأتي بعد يوم مزدحم بالمكالمات والحسابات والمواعيد، أو بعد نقاش حاد في صفقة أو اتفاق. وقد يأتي بعد سهر في تدقيق الأرقام أو بعد قلق من التزامات مؤجلة. وفي هذه الأحوال يكون الأقرب أن العقل يعيد ترتيب ما أثقله في صورة رمزية. ومن المفيد أن يُمنح الجسد حقه من الراحة قبل البحث عن معنى آخر. فالذهن الصافي أقدر على التدبير والاختيار. وقد يكفي في كثير من الأحيان أن يُغلق المرء دفاتره في ساعة معلومة ويترك للراحة نصيبها.
وللتاجر مسؤوليات متعددة تجاه أسرته وعماله ومعاملاته، وقد تثقل هذه المسؤوليات فكره فتنعكس في المنام صورًا شتى. فقد يعبّر المشهد عن تردد في قرار، أو عن قلق من التزام، أو عن حاجة إلى فسحة من الهدوء. وليس في ذلك اتهام للرائي ولا لأحد من شركائه أو زبائنه، ولا نسبة خصومة إلى أحد، ولا توقع لربح أو خسارة. وإنما هو توصيف لحال نفسية يمكن أن تخف بالتنظيم والاستشارة. وحسن الإصغاء إلى النفس خير سند في اتخاذ القرار.
وتفاصيل الحلم تدخل في فهمه، كالمكان وشعور الرائي أثناءه وبعده وطول المشهد. فإن كان الشعور هدوءًا فقد يُحمل على قدرة على تجاوز ما يشغل البال. وإن كان خوفًا فقد يُحمل على قلق من أمر لم يُحسم. وإن زال الأثر مع الصباح فالأقرب أن الصورة عابرة. وكل ذلك قراءة رمزية تحتمل غيرها، ولا يُراد منها أن تتحول إلى هم جديد. ويستحسن ألا يطيل الرائي النظر في تفاصيلها فتزيد ثقلها في نفسه.
ومن الجانب العملي، ينفع تنظيم الأعمال وتفويض ما يمكن تفويضه وتخصيص وقت للراحة والأسرة والحركة. وينفع كذلك أن يشاور المرء من يثق بخبرته ونصحه قبل القرارات الكبيرة في اليقظة. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية. فإذا استمر القلق أو تكررت الأحلام المزعجة وأثرت في النوم والمزاج فالأولى استشارة مختص نفسي أو الحديث مع أحد الأهل المقربين. وطلب الدعم دليل وعي وليس نقصًا. ومن الخير كذلك أن يخصص المرء وقتًا لقراءة ما ينفعه ولأنس العائلة بعيدًا عن حسابات العمل.
ومما يحسن تذكره أن الأحلام لا تصنع واقعًا ولا تغيّر مسارًا في العمل. فالأعمال تُدار بالدراسة والأمانة وحسن التخطيط والتوكل على الله، وتُدار بالتشاور وحسن المعاملة. وكل صورة مزعجة تزول مع الصباح، ويبقى ما ينفع من جهد وصدق. وفي هذا الفهم راحة للقلب وسكينة للنفس. ويكفي التاجر أن يبدأ يومه بنية صادقة وكلمة طيبة وعمل متقن.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، ولا يُبنى عليه قرار في عمل ولا يُنتظر منه خبر. والمناسب أن يبقى الرائي حسن الظن بربه، داعيًا إياه بالتوفيق والسكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده سبحانه. والله تعالى أعلم.
