من رأى الشيطان في منامه في ساعة من ساعات الليل فقد يستيقظ وفي صدره ثقل، والأولى أن يبدأ بتذكير نفسه بأن الحلم الليلي صورة رمزية لا أكثر. والليل في الأحلام وقت تتكلم فيه الخواطر التي سكتت في النهار، فيظهر فيه ما كان مؤجلًا من القلق والتردد. وليس في هذه الرؤيا ما يخبر عن واقع الرائي أو عمّا سيجري له. فليكن أول ما يفعله بعد الاستيقاظ أن يهدأ ويتنفس بعمق ويذكّر نفسه بأن ما مرّ به حلم عابر.
وفي الرمز العام يعبّر الشيطان عن الوسوسة والإغراء الداخلي والغضب والتردد، وهي معانٍ نفسية يعرفها كل إنسان. وحين يقترن الرمز بالليل فقد يشير إلى خواطر تشتد حين يخلو القلب من الانشغال، فتظهر الأسئلة المعلقة والمخاوف الصغيرة بحجم أكبر من حقيقتها. وقد يدل المشهد على حاجة إلى تفريغ الذهن قبل النوم، لا على أن أمرًا يحيط بالرائي. وهذا من باب القراءة النفسية العامة، لا من باب الإخبار.
وللرؤى المكروهة أدب جاء في الحديث الصحيح، فقد ورد بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضره (متفق عليه بمعناه). وهذا يناسب رؤية الليل خاصة، إذ يكفي فيها أن يعود الرائي إلى نومه مطمئنًا. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح، الآية 6). وفي ذلك ما يذكّر بحسن الظن بالله ورجاء فرجه، دون أن تكون الآية تفسيرًا لهذا الحلم.
وذكر بعض المعبّرين في أصول التعبير أن للزمان والمكان أثرًا في دلالة الرؤيا، وذهب بعضهم إلى أن ما يُرى في ظلمة الليل أثقل على النفس من ظاهره، لأن الظلمة تضخم الصور. وهذه النسبة عامة لا تُجزم تفاصيلها، وتختلف فيها آراء المعبّرين اختلافًا واسعًا. والمعنى الذي يمكن أن يُؤخذ منها بلا تكلف أن الرؤيا الليلية كثيرًا ما تكون صدى لتعب اليوم.
وأثر السياق واضح، فمن نام متأخرًا أو متعبًا أو بعد مشاهد أو أحاديث مزعجة فقد تجتمع في حلمه صور شتى. ومن كان يفكر في أمر لم يحسمه فقد يجد الحلم يعيد عليه ترددَه في ثوب مختلف. وقد يأتي المشهد بعد يوم حافل بالغضب أو الاحتكاك، فيكون أشبه بصدى لما بقي في الصدر. وكل ذلك يُحمل على التعب النفسي العابر، لا على أمر خارج عن الرائي.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فالشاب قد يعبّر الحلم عنده عن حيرة بين خيارات متعددة، والمتزوجة قد يعبّر عن ثقل المسؤوليات عند انتهاء يوم طويل، والموظف عن ضغط لم يجد له متنفسًا، والطالب عن خوف من التقصير. أما كبير السن فقد تكون الصورة عنده خاطرًا قديمًا يعود في سكون الليل. وهذه القراءات كلها عامة، ولا تتضمن إدانة لأحد ولا اتهامًا لأحد.
وتفاصيل الحلم تضيف شيئًا. فإن كان الشيطان ساكنًا في الظلام ولم يفعل شيئًا فالمعنى أقرب إلى خاطر هادئ يحوم، وإن كان مصحوبًا بجدال فالأقرب أنه تردد يحتاج إلى حسم، وإن انتهى الحلم بالاستيقاظ المفاجئ فذلك علامة على أن النفس تنفض عنها الصورة. وإن شعر الرائي بعد الاستيقاظ بالراحة فقد يعني ذلك أن القلب خرج من الحلم أصفى مما دخل.
ومن الوجهة العملية يمكن للرائي أن يجعل نهاية يومه أهدأ، فيبتعد عن الأحاديث والمشاهد المثيرة قبل النوم، ويهيئ مكانًا هادئًا للنوم، ويختم يومه بذكر الله وبما يريح قلبه. وإن استيقظ في الليل فلا حاجة إلى التفكير الطويل في الحلم، فالأولى أن يشرب ماء ويعود إلى فراشه. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإذا تكرر الأمر وأتعب صاحبه فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل.
وربما لم يكن في الأمر إلا أن الذهن في الليل يشتغل بما تراكم في النهار دون وعي من صاحبه. فالأحلام تشبه ترتيب الأوراق في آخر اليوم، يمر فيها المرء على الأفكار الثقيلة والخفيفة ويضعها في أماكنها. ومن فهم ذلك قلّ خوفه من الرموز المزعجة، وعلم أنها لا تحمل خبرًا ولا تنبئ بحدث. وفي حسن الظن بالله وترك الانشغال بتتبع الأحلام راحة كبيرة للقلب. ومن أحسن ما يساعد على صفاء الليل أن يختم الإنسان يومه بما يشرح صدره، كقراءة شيء نافع أو حديث طيب مع أهله أو دقائق من الذكر الهادئ، فإن القلب إذا أوى إلى فراشه خفيفًا نام نومًا أهدأ. والأحلام بعد ذلك تتبع حال القلب أكثر مما تتبع شيئًا آخر، فمن سكن قلبه قلّ اضطراب منامه في الغالب.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. فليدعُ الرائي ربه أن يمنحه سكينة الليل وصفاء النهار، وليحسن به الظن. وقد تكون هذه الرؤيا من أضغاث الأحلام العابرة، فلا يثقل بها قلبه ولا يطيل التفكير فيها.
