رؤية الشيطان في النهار، كما في قيلولة قصيرة أو غفوة بعد الظهر، قد تفاجئ الرائي لأنها تأتي في وقت يُظن أنه آمن. لكن الحلم في أي وقت واحد في حقيقته، وهو صورة يؤلفها الذهن من مشاعره وأفكاره. فلا فرق في أصل التعبير بين حلم الليل وحلم النهار، إلا أن حلم النهار غالبًا أقصر وأخف وأقرب إلى ما كان يشغل الرائي قبل غفوته بقليل. والمعنى كله رمزي، لا يخبر بشيء وقع أو سيقع.
وفي الرمز العام يعبّر الشيطان عن الوسوسة والتردد والإغراء الداخلي والغضب والنزاع النفسي. وإذا ظهر الرمز في نوم النهار فقد يدل على خاطر يطرق الذهن وقت الانشغال بالأعمال، أو على توتر خفيف رافق الرائي منذ الصباح. وقد يكون أيضًا أثرًا لتعب الجسد حين يغلبه النوم بين مشاغل اليوم. وهذه كلها قراءات نفسية عامة، لا تنسب إلى الرائي شيئًا ولا تخبر عن غيب.
وليس على الرائي أن يحلل كل صورة مرّت به في نومه تحليلًا طويلًا، فالأحلام تتبدل من ليلة إلى أخرى، ويكفيه أن يتركها تمضي كما جاءت، وأن يمنح نفسه بعدها وقتًا هادئًا قصيرًا يستعيد فيه اتزانه. وهذا الأدب سهل ويسير، ومقصوده أن يجعل الحلم المكروه أمرًا لا يستحق كثرة الحديث. وفيه طمأنة للرائي بأن الحلم لا يضره إذا لم يشغل به قلبه. والمعنى العام في هذا الباب كافٍ ومطمئن، فلا حاجة إلى تفصيل أكثر ولا إلى تتبع كل صورة.
وذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تختلف دلالتها باختلاف وقتها وحال صاحبها، وذهب بعضهم إلى أن الرؤى التي تكون في غفوة قصيرة أقرب إلى حديث النفس منها إلى غيره. وتختلف أقوال المعبّرين في ذلك، ولا يُقطع فيها بشيء. والأحسن أن يؤخذ من هذه الآراء أن الرؤيا القصيرة الخفيفة يغلب عليها أن تكون انعكاسًا لما في الصدر.
ويظهر أثر السياق في هذه الرؤيا أكثر من غيرها، لأن الفاصل بين اليقظة والنوم قصير. فمن غفا بعد خلاف أو بعد مكالمة متعبة أو بعد قراءة ما يثير القلق فقد يحمل حلمه صدى مباشرًا لذلك. ومن غفا بعد عمل طويل فقد يكون الحلم تعبير عن الإرهاق فحسب. وإذا لم يوجد سبب ظاهر فالأقرب أنه خاطر عابر لا معنى زائد فيه. وفي كل ذلك يبقى الحلم صورة لا تقدّم خبرًا.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فالموظف الذي يغفو في استراحة قصيرة قد يرى الحلم انعكاسًا لثقل مهام تنتظره، والأم التي تغفو بين أعمال البيت قد يرتبط الحلم عندها بتزاحم الطلبات، والطالب بقلق الدرس، والشاب بحيرة في قرار مؤجل. وقد يعبّر الحلم عند كبير السن عن أفكار تعود كلما خلا بنفسه. وهذه معانٍ نفسية عامة، لا تتضمن اتهامًا ولا إدانة لأحد.
وفي تفاصيل الحلم قرائن تخفف الأمر. فإن كان قصيرًا مبهمًا فهو أقرب إلى خاطر خفيف، وإن كان فيه نقاش أو جدال فالأقرب أنه تردد يحتاج إلى حسم هادئ، وإن شعر الرائي فيه بالأمان فهذا يدل على سلامة داخلية. أما إن استيقظ مفزوعًا فالأجدر أن يأخذ دقائق من الهدوء قبل العودة إلى عمله. وكل ذلك قراءة تقريبية لا يُراد بها إلزام الرائي بمعنى محدد.
ومن الوجهة العملية يستحب للرائي أن يهيئ لقيلولته جوًّا هادئًا، وأن يبتعد عن الانشغال بما يقلقه قبلها، وأن يجعل لها وقتًا قصيرًا محدودًا. وإذا استيقظ فليغسل وجهه ويشرب ماء ثم يعود إلى عمله بنشاط. وليس في هذا نصيحة طبية أو نفسية، فإن تكرر القلق أو أتعب صاحبه فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل الذين يثق بهم.
وقد يظن بعض الرائين أن حلم النهار أدق من غيره أو أوضح دلالة، وليس لذلك دليل ظاهر في كتب التعبير، فهو كغيره يخضع لحال الرائي وما يشغله. فلا ينبغي أن يحمّله صاحبه أكثر مما يحتمل، ولا أن يعدّه علامة على شيء. والأجدر أن يمرّ عليه بهدوء، ويكمل يومه بما ينفع من عمل وذكر وصلة بالأهل. وبذلك تعود النفس إلى سكونها بلا عناء. ومما يخفف أثر هذه الرؤيا أن يتذكر الرائي أن النهار مليء بما يشغل، وأن العقل لا ينقطع عن العمل حتى في أخف النوم. فإذا استيقظ فليضع ما رآه جانبًا كما يضع ورقة قديمة، وليبدأ بما بين يديه من عمل يحبه. وفي الانهماك فيما ينفع من الأعمال ما يصرف الخواطر ويعيد للنفس نشاطها، ويجعل الحلم القصير يتلاشى من الذاكرة سريعًا كما يتلاشى غيره من صور النوم.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. فليدعُ الرائي ربه أن يطمئن قلبه ويشرح صدره، وليحسن به الظن. وقد تكون هذه الرؤيا من أضغاث الأحلام العابرة، فلا يلتفت إليها كثيرًا ويمضي إلى يومه مطمئنًا.
