إذا رأى الإنسان في منامه الشيطان في صورة إنسان فقد يخطر له أن في الأمر إشارة إلى شخص من معارفه، والصواب أن يُبعد هذا الظن عن نفسه ابتداءً. فالحلم صورة رمزية يؤلفها الذهن من مخزونه ومشاعره، وقد يستعمل في ذلك وجوهًا مألوفة أو غير مألوفة لا علاقة لها بأصحابها. ولا يُفهم من الرؤيا أن أحدًا محددًا يحمل هذا المعنى، ولا ينبغي أن تكون سببًا لسوء ظن بإنسان. والمقصود بالصورة البشرية أن الخاطر المرموز إليه يأتي في هيئة مألوفة قريبة.
وفي الرمز العام يعبّر الشيطان عن الوسوسة والتردد والإغراء الداخلي والغضب والنزاع النفسي. وحين تتخذ هذه المعاني صورة إنسان في الحلم فقد يكون ذلك لأن الإنسان يتحدث مع نفسه كثيرًا بلسان من يعرف، فيتحول الحوار الداخلي إلى حوار مع شخص في المنام. وقد يدل المشهد على أن الخواطر التي تشغله باتت تتحدث بلغة مقنعة أو مألوفة عنده. وهذا كله قراءة نفسية عامة، لا تتضمن اتهامًا لأحد.
وفي الحديث عن هذه الرؤيا فائدة خاصة، وهي أن يحفظ الرائي ظنه بالناس من أثر صورة عابرة. فالوجه الإنساني في الحلم يُركّب من ملامح كثيرة رآها الإنسان في حياته، وقد لا يرتبط بأحد من معارفه، ولذلك لا ينبغي أن يبحث الرائي عمن يشبهه هذا الوجه بين من حوله. ومن حسن الخلق أن يمسك المرء لسانه عن تحميل أحد تبعة ما رآه في منامه، وأن يُبقي صدره صافيًا تجاه الناس. فإذا مرّ بخاطره اسم أو وجه فليتركه يمضي دون ربطه بحلمه. وفي هذا حفظ للألفة بين الأقارب والأصدقاء وراحة للقلب من تتبع الظنون.
وذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تُحمل على حال الرائي وما يحيط به، ولا تُجعل دليلًا على حال غيره، وذهب بعضهم إلى أن ما يُرى في المنام من الصور البشرية يرمز إلى معانٍ لا إلى أعيان أصحابها. وهذه النسبة عامة لا تُجزم تفاصيلها، وتختلف فيها الآراء. وأقرب ما يُؤخذ منها أن الوجوه في الحلم أقنعة تتخذها المعاني، ولا ينبغي أن تُحمّل ما لا تحتمل.
وأثر السياق كبير. فمن كان في خلاف مع أحد أو متوترًا من علاقة قد يرى المعنى ملبسًا وجهًا مألوفًا بسبب انشغال ذهنه به، وليس لذلك أي دلالة على صاحب الوجه. ومن قرأ أو شاهد ما فيه شخصيات تثير القلق فقد تنتقل صورتها إلى المنام. وقد يكون الوجه مجهولًا تمامًا لأن الذهن اختلقه من أجزاء متفرقة. وفي كل الأحوال لا يُحمل الحلم على أنه خبر عن إنسان في الواقع.
وتختلف الدلالة بحسب الرائي. فالشاب قد يعبّر الحلم عنده عن صراع داخلي بين رغباته ومسؤولياته، والمتزوجة عن توتر ناتج عن انشغالها بتفاصيل البيت، والموظف عن ضغط العلاقات في العمل، والطالب عن خوف من التقصير. وكبير السن قد يعبّر الحلم عنده عن حديث نفسه مع نفسه عن الماضي. وهذه كلها معانٍ نفسية عامة، لا يُراد بها إسقاط على أحد من الأهل أو الأصدقاء أو الزملاء.
وفي تفاصيل الحلم ما يضيف. فإن كان الشخص صامتًا فالأقرب أن المعنى خاطر هادئ، وإن كان يتحدث فقد يعبّر عن حوار داخلي كثير، وإن كان مألوفًا فقد يدل على أن الخاطر قريب من اهتمامات الرائي، وإن كان غريبًا فقد يشير إلى فكرة طارئة. وإن ابتعد أو اختفى فهذا أقرب إلى زوال القلق. وكل ذلك قراءة عامة، ولا ينبغي حملها على شخص في الواقع.
ومن الوجهة العملية ينبغي للرائي ألا ينسب ما رآه إلى أحد، وألا يغيّر معاملته لأحد بسببه. ومن الأنفع أن يسأل نفسه عما إذا كان في قلبه خلاف أو عتب يحتاج إلى حديث هادئ أو صفح. ويفيد كذلك الاهتمام بالنوم والذكر والصحبة الطيبة. وليس هذا الكلام نصيحة طبية أو نفسية، وإذا استمر القلق أو تكرر الحلم فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد الأهل.
وفي اللجوء إلى الله بالدعاء والذكر ما يهدئ القلب عند كل قلق أو ظن، وهذا معنى عام يصلح لكل رؤيا مزعجة وليس تفسيرًا لحلم بذاته. ومن أحسن ظنه بالناس وبربه كان أبعد عن اضطراب الصور وأقرب إلى صفاء الصدر. ومن عمّر قلبه بحسن الظن بالناس وبالله كان أبعد عن القلق من صور المنام، وأقرب إلى السكينة. ولا تضيع الألفة بين الأقارب والأصدقاء بسبب حلم عابر. ومن أجمل ما يساعد الإنسان في مثل هذا الحلم أن يجعل ظنه بالناس حسنًا، وأن يذكّر نفسه أن الرؤيا كلها من باب الرموز التي لا تُحمّل أحدًا تبعة صورة. فإن شعر بأن في قلبه شيئًا على أحد فليعالجه بالحديث الطيب أو بالدعاء له بالخير، لا بتتبع المنام. وفي صفاء القلب تجاه الآخرين راحة تفوق كل تفسير.
وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. فليدعُ الرائي ربه أن يطهّر قلبه من الظنون وأن يملأه سكينة، وليحسن به الظن. وقد تكون هذه الرؤيا من أضغاث الأحلام العابرة، فلا يثقل بها قلبه ويمضي إلى يومه مطمئنًا.
